وبما أن كثيرا من المميعين للولاء والبراء يجادلون في بغض الكافرين وتوهموا مخالفتها للعقول الصريحة فطفقوا في تأويل النقول الصحيحة، وتالله لقد خالفوا المنقول وغلطوا في المعقول، فكيف إذا كانت كل أية وحديث تنطق بحجة عقلية لو كانوا يعقلون؟؟
البرهان الأول: أن العقلاء متفقون جميعا-مؤمنهم وكافرهم-على بغض الباطل وأهله، ومحبة الحق وأهله، وهذه حقيقة الولاء والبراء؛ حيث نحب الحق وأهل الحق -وهم المؤمنون عندنا - ونبغض الباطل وأهل الباطل -وهم الكافرون عندنا - وهذا يلزم كل مسلم يؤمن أن دينه الحق وما سواه الباطل. ومن لم يؤمن بذلك أو شك فيه فهو كافر باتفاق المسلمين.
وأذكر أن أحد الأخوة اتصل علي بالهاتف ذات يوم وأخبرني أنه حصل بينه وبين أحد النصارى نقاش في غرف (البالتوك) ، ومن ضمن ما قاله النصراني لصاحبي: أنكم أيها المسلمون لا تحبون اليهود ولا النصارى وليس في كتابكم ما يدل على حبكم للأديان الأخرى، فقال له صاحبي: بل هناك آيات تدل على ذلك ولكن أمهلني حتى أسأل من هو أعلم مني فاتصل بي ملتمسا آيات تدل على أننا نحب اليهود والنصارى!! فأغلظت عليه القول لدخوله في نقاش لا يحسنه، وقلت له: فإن أبيت إلا النقاش فتزود بالعلم الشرعي حتى تصير ضليعا وحينها أفعل ما تشاء، وأما بالنسبة لسؤالك فأخبره أننا - نحن المسلمين - ليس عندنا تعصب لنسب أو عرق دون آخر، وأما اليهود والنصارى فلا يخلوا حالهم إما أن يكونوا على باطل أو على حق، فإن كانوا على باطل فنحن نكرههم بلا ريب لا من أجل جنسهم وإنما من أجل باطلهم وهم عندنا كذلك، وإن كانوا على حق فنحن نحبهم؛ لأننا نحب الحق وأهله، ولهذا نحب موسى -عليه السلام- وبني إسرائيل الذين اتبعوه على الحق، ونحب عيسى-عليه السلام-والذين اتبعوه من النصارى الذين كانوا على الحق وهم الحواريون، ولما بدلوا الحق بالباطل لم نعد نحبهم؛ لأننا لا نحب الباطل وأهله!!
أما بالنسبة لليهود والنصارى المعينين كزيد اليهودي أو عمرو النصراني .. فقد يحبون حبا فطريا لقرابة ونحو ذلك وإن كنا نبغضهم كبغضنا للباطل الذي يحملونه، ولهذا قال تعالى عن نبيه: (إنك لا تهدي من أحببت) قيل: أحببته لقرابته، وأكثر أهل التفسير على أن المعنى أحببت هدايته، وهو يؤول إلى نفس المعنى الأول؛ لأنه من المقطوع به أن النبي-صلى الله عليه وسلم-