الإحسان بهم، وقد جمع بينهما بقوله تعالى: /لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ/ وبهذا تنحل كثير من الإشكاليات التي قد تعرض في الأذهان.
وهذا موافق للبرهان العقلي: إذ في إساءة معاملتهم من الصد عن سبيل الله والتنفير عن دينه ما يتنافى مع الحكمة والموعظة والجدال بالتي هي أحسن، كما أن الله أرسل رسوله رحمة للعالمين، وليس من الرحمة في شيء تنفير الكافرين بإساءة معاملتهم والتجهم في وجوههم!!.
لكن يبقى إشكالان:
الإشكال الأول: أليس هناك تلازم بين القلب والجوارح، فكيف يمكن الجميع بين بغض الكافر وحسن معاملته؟؟ وقد ثبت عن النعمان بن بشير عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال وفيه: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) متفق عليه. [1]
والجواب: أن هناك تلازم بين القلب والجوارح من حيث الصلاح والفساد كما هو نص الحديث، وليس فيه أن البغض يستلزم إساءة المعاملة ولا أنه لا يستلزمها، وإنما صلاح شيء في القلب يستلزم صلاح ما يوازيه من الجوارح، فالبغض للكافرين-مثلا-من صلاح القلب وهو يستلزم صلاح ما يوازيه في الظاهر من مجانبتهم في عبادتهم ولباسهم وسلوكهم السيئ، كما أن الرحمة
للخلق من صلاح القلب وهي تستلزم معاملة الكافرين بالبر والإقساط إليهم والشفقة عليهم، لكن حينما تشتمل الرحمة على لون من ألوان الظلم كالذل للكافرين أو معاونتهم على شيء من الظلم اتجاه الخالق أو المخلوق فهي محرمة بل لا تكون رحمة في الحقيقة، وإنما تكون ضعفا وخورا، أو رغبة في الدنيا وطمعا، بل قد تكون مناصرة للباطل يخرج به صاحبه من حظيرة الإسلام!!
الإشكال الثاني: كيف نجمع بين مشروعية معاملة الكافر بالبر والإقساط إليه كما تقدم وبين بقاء العزة والاستعلاء للمؤمن كما قال تعالى: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) وقوله:/فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
(1) صحيح البخاري (1/ 38) وصحيح مسلم (5/ 50)