البرهان الخامس عشر: أن اليهود والنصارى قد افتروا على الله الكذب بزعمهم أن لله ولدا-سبحانه-، وإذا كان من يفتري الكذب على الناس يستحق البغض والكراهية فكيف بمن يفتريه على الله تعالى؟؟، ولهذا كان الإمام أحمد - رحمه الله - إذا نظر إلى نصراني أغمض عينيه، فقيل له في ذلك فقال - رحمه الله: (لا أستطيع أن أنظر إلى من افترى على الله وكذب عليه) .
البرهان السادس عشر: أن الحب والبغض صفتان وجوديتان وهذا معلوم بالاضطرار [1] ، وباتفاق النظار أن الصفات الوجودية أكمل من الصفات العدمية؛ وعليه من يتصف بالحب والبغض أكمل ممن لا يتصف بهما أو أحدهما، ولهذا وصف الله نفسه بأنه يحب ويبغض كما قال سبحانه: (يحبهم ويحبونه) وقال: (ولكن كره الله انبعاثهم) وحبه تعالى وبغضه يليقان به سبحانه لا كحب المخلوقين وبغضهم، وهما صفتان من صفات الكمال للمخلوقين أيضا؛ فمن يحب ويبغض أكمل ممن لا يحب ولا يبغض، ولما كرم الله بني آدم أودع فيهم تلك الصفتين الوجوديتين- وهما الحب والبغض- ومن يزعم أنه ليس في قلبه حب لأحد أو ليس في قلبه بغض لأحد -مع أنها مكابرة- لو قدر وجودها فهي نقص وليست كمال، وإذا تقرر من هذا الطريق كمال الحب والبغض وأن أربابهما أكمل وهم أولى بالاعتبار من الناقصين؛ لنقصهم بإزاء من هم أكمل منهم، وعلم من هذا أن دعوى كثير من الليبراليين بالحياد وأنهم لا يكرهون أحدا - مع منافاتها للحقيقة - تعد صفة نقص تجعل صاحبها تحت رتبة الاعتبار باتفاق النظار!!؛ وعليه يكون المدعي بين خيارين أحلاهما مر، إما أن لا يقر بوجود كره في قلبه أصلا على أحد فحينئذ لا يعتد بقوله؛ لأنه في عداد الناقصين!!، أو أن يقر بما تنطوي عليه نفسه من بغض لطائفة ما كما هو معلوم بالاضطرار، وحينئذ يحق لنا السؤال عن سبب الكره لتلك الطائفة؟!! وأيا كان الجواب فلن يكون أشرف من جواب المؤمنين: وهو أنهم يبغضون الكفار لما يحملونه من باطل!!
البرهان السابع عشر: أن كثيرا من هؤلاء الغالطين وغيرهم من الليبراليين يجادلون في بغض اليهود والنصارى وسائر الكافرين بصرف النظر عن بطلان أديانهم ومعتقداتهم، مع أن الحب والبغض فرع عن صحة الدين وبطلانه، وليس من المنطقي أبدا أن يكون الفرع المرتبط بأصل لا ينفك عنه محلا للنقاش، ويترك الأصل الذي يبنى عليه ذلك الفرع، وكان يفترض بالمنازع قبل أن يدفع البغض ويناقش فيه أن يبرهن صحة أديانهم ومعتقداتهم!!
(1) مجموع الفتاوى (11/ 148)