الصفحة 30 من 36

الوجه الثاني: أن الأنبياء الذين ذكر لفظ (الأخوة) بينهم وبين قومهم كانوا في الحقيقة إخوانا في النسب، ومثل هذا لا غبار عليه نظير قول الأب المسلم لابنه الكافر: يا بني، أو قول الابن لأبيه: يا أبتي، أو قول الأخ لأخيه: يا أخي .. ونحوها، قال نوح-عليه السلام- لابنه: {يا بني اركب معنا} ، وقال إبراهيم - عليه السلام- {يا أبتي إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك} وقريب منه لو قيل للعربي: يا أخا العرب، أو للأوربي يا أخا الأوربيين أو للأمريكي يا أخا الأمريكيين أو للصيني يا أخا الصينيين ونحو ذلك فلا حرج فيه في الأصل كما ذكرنا، بخلاف ما لو قيل: يا أخا الكفار، أو يا أخا اليهود والنصارى!! ..

والمقصود أن من انبرى في نصرة قوله في تمييع الولاء والبراء بمجرد التمسك برسم الألفاظ والحروف وتجاهل السياق والأوصاف والظروف، فقد خرم قانون اللسان، ونقض عرى الإيمان، بأوهى حجة وأفسد منطق وأبرد برهان!!

ومما يقضى منه العجب أن كثيرا من هؤلاء لو قيل له: هل تكره الظالم والجاحد والإرهابي؟؟ لقال بملء فيه: بلى أكرههم، مع أن الله وصف من خالف الحق بالكفر الذي هو أشد الجحود كما وصفهم بأهل الباطل و الظلم العظيم كما تقدم. وهؤلاء خلطوا بين الحب الطبيعي كالحب من أجل البنوة أو الأبوة أو من أجل العلاقة الزوجية ونحوها وبين الحب من أجل الدين، وظنوا التلازم المطلق بينهما، مع أن الأصل أنه لا تلازم بينهما إلا حينما يلزم من الحب الطبيعي معاضدة الباطل، فهاهنا يتوارد الحب والبغض على محل واحد؛ وحينئذ لا يمكن الجمع بينهما، وإنما يجب تقديم حب الحق على حب الباطل قطعا نظير قوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} وهي تتناول حالة الحرب التي فيها إعانة للكفار على قتال المسلمين كما رجحه ابن جرير وغيره [1] ، وذلك حينما يتوارد الحبان-الشرعي والطبيعي-على محل واحد! وأما من قدم حبه الطبيعي على شيء من محاب الله تعالى فقد يكون إثما ينقص إيمانه بحسبه ولا يكفر به صاحبه كفعل حاطب-رضي الله عنه- في قصته المشهورة، وفعل سعد بن عبادة في نصرته لابن أبي في قصة الإفك، وقد يكون كفرا يمرق به من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية كمن يؤدي به حبه الطبيعي إلى ارتكاب ناقض من نواقض الإيمان!!

(1) تفسير الطبري (23/ 323)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت