الصفحة 29 من 36

وترى بعض هؤلاء الغالطين يقولون: إخواننا اليهود والنصارى أو من يسمون بالمسيحيين، ونحوها من العبارات التي تكسر حاجز الولاء والبراء، وبعضهم يبرر لنفسه مثل هذه العبارات بقوله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} وقوله: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} وقوله: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} حيث جعل الأخوة بين الأنبياء وقومهم الكافرين!!

وليت شعري .. متى يفرق هؤلاء بين السياقات ومسالك العلل ودلالات الألفاظ؟؟ وهم أرباب اللسان، وأساتذة العلل!!

ألم يروا أن الله حينما نسب قوم شعيب إلى الأيكة لم يذكر لفظ الأخوة كما في قوله تعالى: {كَذّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتّقُونَ} مع أنه جعله أخاهم لما نسبه إلى بلد مدين في قوله: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} ؟؟ ألا يلحظون سر اختلاف اللفظ من أجل اختلاف السياق؟؟، قال ابن كثير-رحمه الله-:"هؤلاء - يعني أصحاب الأيكة - هم أهل مدين على الصحيح وكان نبي الله شعيب من أنفسهم وإنما لم يقل ههنا أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة, وهي شجرة, وقيل شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها, فلهذا لما قال: {كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب, وإنما قال {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ} فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه , وإن كان أخاهم نسبًا. ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة"اهـ [1] وبهذا البيان الجلي يتضح خطأ مثل هذه العبارات من وجهين:

الوجه الأول: أنه -سبحانه- لما نسب القوم إلى دينهم الباطل وعقيدتهم الشركية لم يقل: أخاهم؛ لئلا يوهم في بقاء صلة الحق بالباطل!!، وحينما نسبه إلى قومه أو بلده لم يكن هناك ما يمنع من ذكر الأخوة البتة؛ لانتفاء وهم الصلة بين الحق والباطل، وبهذا يتضح الجواب لمن يقول مثل تلك العبارات بمجرد الإجابة على هذا السؤال وهو: هل الانتساب إلى اليهودية أو النصرانية من الانتساب إلى الدين الباطل أم من الانتساب إلى القوم والبلد؟؟ ولا ريب أنه من الانتساب إلى الدين لا من الانتساب إلى القوم والبلد كما لا يخفى؛ ولهذا لم يفرق الفقهاء بين من أوقف على نصارى بلدة معينة وبين من أوقف على كفارها!! [2]

(1) تفسير ابن كثير (3/ 419)

(2) ينظر: شرح الزركشي (2/ 206) وتقدم نصه قبل قليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت