عمران: 32].قال أبو العباس ابن تيمية-رحمه الله-:"وَاَللَّهُ يُبْغِضُ الْكَافِرِينَ وَيَمْقُتُهُمْ وَيَلْعَنُهُمْ. وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ؛ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُحِبًّا لِلَّهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى غَيْرُ مُحِبٍّ لَهُ؛ بَلْ بِقَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ يَكُونُ حُبُّ اللَّهِ لَهُ؛ وَإِنْ كَانَ جَزَاءُ اللَّهِ لِعَبْدِهِ أَعْظَمَ. كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ بَاعًا وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) " [1] وهل يريدون منا محبة من أبغضهم الله تعالى؟؟ ألا كيف يفكرون؟؟
البرهان الرابع عشر: أن حب الكافر يلزم منه حب الكفر نفسه لما بين الكافر والكفر من التلازم شرعا ولغة وعرفا، لأن لفظ (الكافر) وصف يصدق على كل من صدر منه الكفر، والعرب تفهم من قولك أبغض الكافر أي: لكفره، ولهذا لما قال سبحانه: {إن الأبرار لفي نعيم} أي: لبرهم، {وإن الفجار لفي جحيم} أي لفجورهم، ولكن للعجمة أثر كبير؛ حيث سمعنا نفرا يقولون: لا نكره الكافر وإنما نكره فعله، وهذا لعمر الله تناقض في الواقع؛ إذ التفريق بين الصفة والموصوف ليس له وجود في الخارج وإنما وجوده في الأذهان، إذ الصفات لا يمكن أن تستقل بنفسها عارية عن الذوات؛ إذ لا وجود لكرم دون كريم ولا علم دون عليم ولا بغض دون مبغض ولا حب دون محب وهكذا. ولهذا ذكر أهل الأصول في أنواع الإيماء ومسالك العلة وغيرها: أن الحكم المعلق بوصف مناسب يدل على أن ذلك الوصف علة له، قال الطوفي -رحمه الله-:"النَّوْعُ السَّادِسُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِيمَاءِ"اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ، نَحْوَ"قَوْلِهِ:"أَكْرِمِ الْعُلَمَاءَ، وَأَهِنِ الْجُهَّالَ، كَمَا سَبَقَ"كَقَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا} [النُّورِ: 2] ، {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [الْمَائِدَةِ: 38] ، أَيْ: لِلزِّنَى وَالسَّرِقَةِ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ; يُفْهَمُ مِنْهُ تَعْلِيلُ عَدَمِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا بِشَرَفِ الْإِسْلَامِ وَنَقْصِ الْكُفْرِ، لِأَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْعُقَلَاءِ تَرْتِيبُ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأُمُورِ الْمُنَاسِبَةِ" [2] وجماهير الأصوليين على اعتبار الوصف المناسب [3] ، وهو في بعض الصور مقطوع به متفق عليه بين العلماء كالتعليل بالكفر لتعليق الأحكام على الكافر، والتعليل بالإيمان لتعليق الأحكام على المؤمن، قال تعالى: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} فجعل الإيمان غاية لانتهاء
(1) مجموع الفتاوى (10/ 212)
(2) شرح مختصر الروضة (3/ 373)
(3) المستصفى من علم الأصول (2/ 203) شرح الكوكب المنير (4/ 140)