الصفحة 26 من 36

أَنَّ كَمَالَ الْمَحَبَّةِ أَنْ يُحِبَّ الْعَبْدُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يُحِبَّ كُلَّ مَوْجُودٍ بَلْ يُحِبُّ مَا يُلَائِمُهُ وَيَنْفَعُهُ وَيُبْغِضُ مَا يُنَافِيهِ وَيَضُرُّهُ وَلَكِنْ اسْتَفَادُوا بِهَذَا الضَّلَالِ اتِّبَاعَ أَهْوَائِهِمْ فَهُمْ يُحِبُّونَ مَا يَهْوَوْنَهُ كَالصُّوَرِ وَالرِّئَاسَةِ وَفُضُولِ الْمَالِ وَالْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ زَاعِمِينَ أَنَّ هَذَا مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَمِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ بُغْضُ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَجِهَادُ أَهْلِهِ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ. وَأَصْلُ ضَلَالِهِمْ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ الَّذِي قَالَ:"إنَّ الْمَحَبَّةَ نَارٌ تُحْرِقُ مَا سِوَى مُرَادِ الْمَحْبُوبِ"قَصَدَ بِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى الْإِرَادَةَ الدِّينِيَّةَ الشَّرْعِيَّةَ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ تُحْرِقُ مِنْ الْقَلْبِ مَا سِوَى الْمَحْبُوبِ لِلَّهِ وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ. فَإِنَّ مِنْ تَمَامِ الْحُبِّ أَنْ لَا يُحِبَّ إلَّا مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتَ مَا لَا يُحِبُّ كَانَتْ الْمَحَبَّةُ نَاقِصَةً وَأَمَّا قَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ فَهُوَ يُبْغِضُهُ وَيَكْرَهُهُ وَيَسْخَطُهُ وَيَنْهَى عَنْهُ فَإِنْ لَمْ أُوَافِقْهُ فِي بُغْضِهِ وَكَرَاهَتِهِ وَسَخَطِهِ لَمْ أَكُنْ مُحِبًّا لَهُ بَلْ مُحِبًّا لِمَا يُبْغِضُهُ. فَاتِّبَاعُ الشَّرِيعَةِ وَالْقِيَامُ بِالْجِهَادِ مِنْ أَعْظَمِ الْفُرُوقِ بَيْنَ أَهْلِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَأَوْلِيَائِهِ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَدَّعِي مَحَبَّةَ اللَّهِ نَاظِرًا إلَى عُمُومِ رُبُوبِيَّتِهِ أَوْ مُتَّبِعًا لِبَعْضِ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِشَرِيعَتِهِ فَإِنَّ دَعْوَى هَذِهِ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ مِنْ جِنْسِ دَعْوَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْمَحَبَّةَ لِلَّهِ بَلْ قَدْ تَكُونُ دَعْوَى هَؤُلَاءِ شَرًّا مِنْ دَعْوَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِمَا فِيهِمْ مِنْ النِّفَاقِ الَّذِينَ هُمْ بِهِ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ كَمَا قَدْ تَكُونُ دَعْوَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى شَرًّا مِنْ دَعْوَاهُمْ إذَا لَمْ يَصِلُوا إلَى مِثْلِ كُفْرِهِمْ"اهـ. [1] "

وإذا كان لا بد من وجود حب وبغض فإلى أي شيء نحتكم؟؟، وبأي مقياس نوالي ونعادي؟؟ هل نوالي ما تواليه الأهواء الليبرالية ونعادي ما تعاديه؟؟ أم نوالي ما تواليه الأهواء الاشتراكية ونعادي ما تعاديه؟؟ أم نوالي ما يواليه الصهاينة ونعادي ما تعاديه؟؟ أم نوالي ما تواليه الرافضة ونعادي ما تعاديه؟؟ بأي هوى نوالي ونعادي؟؟ وبأي عقل نحب ونبغض؟؟ والعقول متفاوتة مختلفة والأهواء أشد تفاوتا وأكثر اختلافا قال تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجود فيه اختلافا كثيرا} وقال سبحانه: {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن} .

البرهان الثالث عشر: أن محبتنا تبع لمحبة الله تعالى وقد أخبر الله عن نفسه أنه لا يحب الكافرين فقال: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [الروم: 45] ، وقال سبحانه: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل

(1) مجموع الفتاوى (10/ 210)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت