فطرة لم تكن هناك حاجة في بيان بطلانها؛ إذ يكفي إقراركم أن الله خالق وما سواه مخلوق {أفمن يخلق كمن لا يخلق} وأما أهل الإلحاد فلهم حديث آخر.
والمقصود أنه يكفي في بطلان مثل هذه الأمور مجرد إيرادها، ولهذا لما حاول المشركون جعل ألهتم مساوية لله تعالى سفه الله أحلامهم، وحسم خرافتهم، فقال: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} مع أنه في حقيقة الأمر لا هؤلاء ولا أولئك جعلوهما سواء كما سيأتي.
البرهان العاشر: أن هؤلاء الليبراليين ومن شابههم ممن تأثر بفكرهم يرون أن إساءة معاملة المخلوق مع المخلوقين من قتل وظلم وإفساد وغيرها مدعاة لبغضه وكرهه ولكنهم لا يرون أن إساءة معاملة الخالق- من الكفر به وإساءة معاملته بألوان من الإساءة- مدعاة للبغض والكره، وهذا في غاية العجب!! ولو جعلوا إساءة المعاملة للخالق والمخلوق مدعاة للبغض على السواء لكانوا ظالمين في تسويتهم هذه! فكيف بتقديمهم معاملة المخلوق على معاملة الخالق سبحانه وتعالى عما يشركون؟؟ فأنى يصرفون؟؟ ويشبه حالهم-أيضا- حال المشركين حينما جعلوا نصيب الشركاء مقدم على نصيب الله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} وكل عاقل يؤمن بالله ربا يلزمه أن يقدم الله على خلقه، مع أن كثيرا ممن أخطأ في الولاء والبراء لم يتفطن لمثل هذه اللوازم، وإلا لما قال بها قطعا!.
البرهان الحادي عشر: أن إلغاء قانون الولاء والبراء لا يصلح لأصحاب الأديان السماوية خاصة، إذ مبناها على الإيمان بالله تعالى والسير نحوه وفق ما يحبه الله ويرضاه والبعد عن مساخطه ومباغضه، وهم لا يستقون معتقداتهم من الأهواء فيما يزعمون وإنما يستقونه من كتبهم المنزلة التي يؤمنون أنها الحق وما سواها الباطل ولازمها أن يحبوا من ينتمي إليهم كحبهم للحق ويبغضوا من يكفر بمعتقداتهم كبغضهم للباطل.
البرهان الثاني عشر: أن وجود مجتمع فيه حب لا بغض فيه أو بغض لا حب فيه لا وجود له سوى في الأذهان، أما في الواقع فهو غير موجود البتة ولا ينكر هذه الحقيقة إلا مكابر، ودعوى محبة كل شيء دعوى ذكرها أهل التصوف كما قال أبو العباس ابن تيمية-رحمه الله-:"فَظَنُّوا"