الصفحة 22 من 36

والتنوير [1] :"فالعجب من محبة المؤمنين إياهم في حال بغضهم المؤمنين، ولا يذكر بعد أسم الإشارة جملة في هذا التركيب إلا والقصد التعجب من مضمون تلك الجملة."

فإن قيل: فقد وصف الله تعالى من يحب اليهود بالإيمان وقد تقرر أن حب الكفار من نواقض الإيمان!! فكيف الجمع بينهما؟؟

والجواب: أن علماء التفسير متفقون قاطبة على أن المؤمنين لم يحبوا اليهود وغيرهم من المشركين الحب الديني المخرج من الملة [2] ، وإنما اختلفوا في تأويل الآية على ثمانية أقوال أقربها للصواب-والله أعلم- أن يكون المراد بالحب الصادر من المؤمنين هو الحب الفطري لقرابة أو حلف ونحوه وهو في الأصل جائز لكن إما أن يكون حصل التوبيخ من أجل أن حب الأنصار الفطري لم يثمر محبة من اليهود بل قابلها بغض منهم وعداوة ظاهرة!! أو يكون حصل الإنكار والاستغراب من أجل تقديم هؤلاء الأنصار حبهم الفطري على حبهم الديني في أمر لم يصل إلى حد الكفر نظير ما حصل من حاطب -رضي الله عنه- مع المشركين ومع هذا وصفه الله بالإيمان، ويؤيد كون الحب الصادر منهم هو الحب الفطري أنها نزلت في قوم من الأنصار مازالوا يحبون اليهود لما بينهم من الحلف قبل الإسلام. وهذا التأويل مأثور عن ترجمان القرآن ابن عباس-رضي الله عنه- [3] و ادعاؤهم الإيمان بالله تعالى مع ظهور علامات الكفر بالله فيهم وظهور عداوتهم للمؤمنين كما هو حال المنافقين الذي فضح الله أمرهم وكشف سترهم فلا قيمة لتلك الدعوى حينئذ، ومع هذا لم يقتلهم النبي-صلى الله عليه وسلم- مراعاة للمصلحة الراجحة.

البرهان السادس: أن كثيرا من الأديان والمذاهب المعاصرة تمارس البراء مع من لا ينتحلون مذاهبهم وخاصة مع المسلمين؛ حيث يجعلون من يخالف مذهبهم منتهكا للحقوق الإنسانية، أو إضرارا بالمصالح العالمية، أو إرهابيا يجب القضاء عليه، وقد سمعنا تصريح بوش الصغير يقول أمام العالم: (أكره الإرهاب) ويوجه أصابع الاتهام نحو الإسلام والمسلمين! فإن لم تكن هذه الصورة (براء) فأي شيء هو البراء؟؟ بل يا ليتهم اقتصروا على مجرد البغض القلبي لكان الأمر هينا ولكنهم سفكوا دماء مخالفيهم وسحقوهم في معارك طاحنة لم يشهد لها العالم مثيلا!!

(1) التحرير والتنوير (3/ 201)

(2) ينظر: تفسير الطبري (7/ 151) تفسير الخازن (1/ 410) الوجيز للواحدي (1/ 229) تفسير ابن كثير (1/ 489) تفسير ابن أبي حاتم (3/ 150) تفسير الرازي (1/ 1239) وغيرهم

(3) زاد المسير (1/ 447) تفسير البحر المحيط (3/ 31) تفسير الرازي (1/ 1239)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت