الصفحة 21 من 36

تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ/ وقال تعالى: /إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ/وغيرها من الآيات التي تدل على أن الكافرين هم أعظم الظالمين؛ وليس هذا زعما فارغا أو بهتانا باطلا، وإنما هو موافق للمنطق العقلي أيضا؛ يوضح ذلك أن تعريف الظلم المشهور: هو وضع الشيء في غير موضعه. وهؤلاء وضعوا العبادة في غير موضعها، وصرفوا الأفضال إلى غير مسديها، وجعلوا العرفان في غير أهله، فشكروا غير الله، وذكروا غير الله، ونسبوا ألوان النعم لغيره بفعلهم وعبادتهم ومحبتهم وهذا أعظم الظلم وأقبحه، وإن لم يكن هذا ظلما فأي شيء هو الظلم؟؟ وإذا تقرر ظلم الكافرين فالعقلاء قاطبة لا يحبون الظالمين!

البرهان الرابع: أن الكافرين أعداء لله تعالى؛ حيث جعلوا له أندادا من خلقه في صفاقة عريضة ما بعدها صفاقة فما قدروا الله حق قدره، بل تجرؤا على مبارزته بالجحود والنكران ومجابهته بأعظم العصيان ... ولا ريب أن من كان عدوا لله الذي هو أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأهلينا فهو عدو لنا من باب أولى كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة:1] وقال تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [2\ 98] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [41\ 19] ومن كان عدوا لله فلا يمكن أن نحبه البتة؛ لأنهم معتدون على الخالق عز وجل، والله ورسوله والمؤمنون لا يحبون المعتدين! قال تعالى: {وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} .

البرهان الخامس: أنه من البدهي أن يكره المؤمنون أعداءهم، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [النساء:101] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة:1] فجعل من موجب كرههم عداوتهم للمؤمنين وهذا موافق للعقل والفطر؛ إذ من عادة الناس بغض أعدائهم! فكيف إذا كانت عداوتهم مبنية على العداوة بين الحق والباطل؟؟ ولهذا ذكره الله بصيغة العجب من صنيع بعض المؤمنين؛ إذ كيف يحب المؤمنون اليهود مع كره اليهود لهم فقال: {هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} قال العلامة ابن عاشور في التحرير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت