وليعلم أتباعه وورّاث الأنبياء، بأنه هكذا يجب أن تكونوا تقدمًا وبذلًا ومسارعة! وسير أصحابه طافحة بالنماذج الدالة على إدراكهم لأدوارهم, وأن حملان العلم والتفقه، يعني أخذه بحزم والتصدي لكل خطر وبلاءِ، ولا يحسن ذلك إلا من ألهمه الله علمًا جمًا، ورفعه مكانًا عليًا.
قال تعالى:"وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلًا" [الأنبياء:83] ، وآلة الاستنباط، وعدة الفهم، إنما هي بحوزة العلماء الكبار.
يموت النبي صلى الله عليه وسلم، فيرتد أكثر العرب، ويأبون تأدية الزكاة لأبي بكر رضي الله عنه، فيصمد لهم، ويقاتلهم، ويحرض الناس عليهم، ويقول (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال) .
وتجيئ خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه فيسير الجيوش لقتال المشركين، ويتهمم لذلك، حتى إنه ليقول (إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة) علقه البخارى في صحيحه، ووصله ابن أبي شيبة في مصنفه. ويأتي عام الرمادة سنة 18 هـ فيتقدم عمر الناس، ويجمع الأطعمة، ويشارك في إعدادها، ويحزن لجياع المسلمين، ويقف موقفًا لا نظير له، وسيرته رضي الله عنه كلها