وقال ابن دقيق العيد: فيه النهي عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذي يختل به النظر فلا يحصل استيفاء الحكم على الوجه. وعدّاه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به تغير الفكر كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس وسائر ما يتعلق به القلب تعلقا يشغله عن استيفاء النظر [1] .
وقال الشافعي في الأم: أكره لحاكم أن يحكم وهو جائع أو تَعِب أو مشغول القلب فإن ذلك يغير القلب [2] .
وقال أيضا: وأكره للقاضي الشراء والبيع والنظر في النفقة على أهله وفي ضيعته؛ لأن هذا أشغل لفهمه من كثير من الغضب [3] . فالفقر إذًا مشتت لعقل الإنسان وتفكيره لأنه يملئ قلب الإنسان بالهموم، فيمتنع القلب من إحكام النظر وتدقيق الفكر في الأمور.
وقد قيل:
إذا قل مال المرء قل صفاؤه *** وضاق به عما يريد طريقه
وأصبح لا يدري وإن كان حازما *** أقدامه خيرا أو وراءه [4] .
وقد رُوي عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني أن جاريته أخبرته يوما في مجلسه أن الدقيق نفد، فقال لها: قاتلك الله لقد أضعت من رأسي أربعين مسألة من مسائل الفقه [5] .
-كما أن للفقر أثر سيء على نفس الإنسان فهو غالبا ما يجر الإنسان إلى الذل والملق والنفاق والتخلي عن المروءة.
ولذلك قيل: إن الفقر رأس كل بلاء وداعية إلى مقت الناس، وهو مع ذلك مسلبة للمروءة مذهبة للحياء، فمتى نزل الفقر بالرجل لم يجد بدا من ترك الحياء، ومن فقد حياؤه فقد مروءته، ومن فقد مروءته مُقِت، ومن مُقت ازْدُرِي به [6] .
وقال بعضهم: نظرت إلى كل ما يذل القوي ويكسره فلم أر شيئا أذل له ولا أكبر من الفاقة [7] .
(1) فتح الباري 13/ 168.
(2) الأم للشافعي 6/ 199. ط: دار المعرفة. بيروت. الثانية سنة 1393 هـ.
(3) الأم 6/ 215.
(4) إصلاح المال لابن أبي الدنيا ص 358. ط: دار الوفاء. المنصورة. الأولى سنة 1410 هـ- 1990 م. والأبيات لأبي جعفر مولى بني هاشم.
(5) مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام للدكتور/ يوسف القرضاوي ص 15.
(6) المستطرف ص 310.
(7) المستطرف ص 310.