الصفحة 32 من 42

في الحديث بيان أثر الغنى في استعفاف الرجل عن السرقة واستعفاف المرأة عن الفاحشة. إذًا فالغالب أن الانحراف بالسرقة أو الكسب الحرام عموما سببه الفقر.

وكذلك الوقوع في الفواحش والتخلي عن العفة كثيرا ما يكون سببه الحاجة والفقر، ففي حديث الثلاثة الذين آوهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. فدعا الأول ثم قال الثاني: «اللهم إنه كانت لي ابنة عم كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها على نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: اتق الله ولا تَفُضَّ الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه» [1] .

* التعليق:

الحديث يبين لنا كيف تخلت المرأة عن عفتها تحت ضغط الفقر والحاجة.

ومثل ذلك ما رُوي عن ابن عم -رضي الله عنهما- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كان الْكِفْل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك أأكرهتك؟ قالت: لا، ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك. وقال: لا والله لا أعصي الله بعدها أبدا. فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه إن الله قد غفر للكفل» [2] .

وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خذوا العطاء ما دام عطاءً، فإذا صار رِشْوَة في الدين فلا تأخذوه، ولستم بتاركيه؛ يمنعكم الفقر والحاجة» [3] .

(1) أخرجه البخاري- كتاب الإجارة- باب من استأجر أجيرا فترك أجره فعمل فيه المستأجر 2/ 793 ح رقم 2152 بلفظ قريب عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.

، مسلم- كتاب الرقاق- باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح العمل 4/ 2101 ح رقم 2743 بلفظ قريب عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.

(2) أخرجه الترمذي- كتاب صفة القيامة والرقائق والورع- باب رقم 48 - 4/ 373 ح رقم 2496 بلفظه من طريق عبيد بن أسباط بن محمد القرشي عن أبيه عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، وقال: هذا حديث حسن.

، أحمد 2/ 23 ح رقم 4747 بلفظ مختلف من طريق أسباط بن محمد به. وإسناده ضعيف لأن فيه سعد مولى طلحة وهو مجهول.

(3) أخرجه الطبراني في الكبير 20/ 90 ح رقم 16929 بلفظه بزيادة في آخره من طريق القاسم بن يوسف بن يعقوب البلخي عن علي بن حجر المروزي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن الوَضِين بن عطاء عن يزيد بن مرثد عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه-.

، أخرجه في مسند الشاميين 1/ 379 بلفظه بزيادة في آخره به. ط: مؤسسة الرسالة. بيروت. الأولى 1405 هـ-1984 م. تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت