متكاملة ومتوازية في نسق واحد؛ جمعًا لشتات النَّفس وتوجيه الهمّ ليكون همًّا واحدًا، وبذلك نمت الأمَّةُ وتكاملت شخصيَّتُها واشتدَّ عودُها، وأثمرت علمًا وأدبًا وحضارةً باسقةَ البناء وارفةَ الظِّلال، بسطت أشعَّتَها ونورَها على البشريَّة فأخرجتها من ظلمات الجهل والظُّلم والاستكبار إلى نور الحقِّ والعدل والرَّحمة والمساواة والإنسانية في أصدق معانيها وأجلى صورها.
وإنَّ دراسةَ السِّيرة بهذه المعاني العميقة والمفاهيم الواضحة ستُضفي على دارسها الأمنَ والطُّمأنينة وسعادة الحياة والرغبة المستمرة في الدراسة والتأمل في دلائلها وفوائدها.
وقد ذكرتُ جملةً من فوائد دراسة السِّيرة النَّبويَّة وأهداف دراستها ذات الارتباط بمقاصد الشَّريعة وأحوال المتعبِّدين؛ عسى أن تكون مساعدةً في البناء التَّربويِّ للأمَّة وإخراج الجيل الحاضر من مشكلاته وتوجُّهاته المتشعِّبة والمختلفة الموارد والمصادر، والعودة إلى المصدر الحقِّ والمنبع الصَّافي الذي سيكون فيه الهدى والشِّفاء لكلِّ العلل والأمراض التي أصابته إذا أخلص النِّيَّة ووحَّد المقصدَ، وارتفع عن الشَّهوات الهابطة، وتحرَّر من الأفكار الوافدة، واهتمَّ بمعالي الأمور.
فإذا تربَّى على هذه المعاني والأهداف العالية ارتفعت همَّتُه وسَمَت رغبتُه إلى ما هو أعلى وأغلى من كلِّ هذه الدُّنيا ممَّا أعدَّه الله لعباده المتَّقين؛ فإنَّ موضعَ السَّوط في الجنة خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ونصيف المرأة- أي خمارها- خير من الدُّنيا وما فيها.