فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 219

كتب له: «أما بعد، فإن الدنيا دار عقوبة، ولها يجمع من لا عقل له، وبها يغتر من لا علم عنده، فكن يا أمير المؤمنين كالمُداوي جرحَه، يصبر على شدة الدواء لما يخاف من عاقبة الداء» [1] .

إن العناية بتربية النفس وتهذيبها ومجاهدتها على التحلي بالأخلاق الحميدة الجميلة التي يحبها الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، إن هذه العناية من أهداف الإسلام النبيلة التي جاء بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - موضحًا لحقائقها، واصفًا لثمراتها وخيراتها دالًا عليها، مكملًا ومتممًا لمكارمها. قال - صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» [2] . وكل خلقٍ نبيلٍ في الإسلام، وكل صفةٍ كريمةٍ حث عليها جاءت مؤسسة على التوبة إلى الله تعالى، فالصدق والمروءة والكرم، والعفة والإحسان والرحمة - مثلًا - ليست مؤسسة في الإسلام على هدف مادي أو نفسي، ولكنها مؤسسةٌ على طاعة الله تعالى. وطاعته سبحانه لا تكون إلا بالتوبة إليه، والتوبة هي السبيل التي يُصغِى من خلالها القلب إلى سماع صوت الحق والاهتداء إليه قال الله تعالى: { ? } [3] .

وبغير التوبة يظل القلب مغلَّفًا بالحجب عن ذلك الإصغاء.

وهذا أمرٌ يضع أيدينا على ثمرة من ثمار التوبة العظيمة الكثيرة، والتي تعود على الفرد والمجتمع والأمة بالخير العميم في جوانبه المتعددة حسيةً كانت أو معنوية. فقلب التائب قلبٌ يقظ حاضرٌ، يبصر بفراسته القوية الأشياء إبصارًا لا يتأتى لغيره. ولذلك فإن التائب يتحول عن أشياء ظاهرها النفع ويهجرها، والناس الذين لا يعرفون يستغربون، وربما يقدحون في ذلك العمل؛ لأنهم لا يعرفون عن هذه الأشياء أكثر مما يتعلق بظواهرها. على أنه مما تجدر الإشارة إليه ويتوجب التنبيه عليه في هذا المقام أن التوبة لا تعني توقف الإنسان عن الحركة والفاعلية والإبداع في الحياة، والتمتع بطيباتها الحلال، فمن الناس من يرى التوبة قطعًا لحركة الحياة، وذلك فهمٌ خاطئ تسرب إلى ديار المسلمين عن طريق الاتصال بالنصارى، وبالأجناس الأعجمية، وعلى الخصوص ما تحفل به ديانات بلاد الهند من رهبنةٍ مفرطةٍ وتنسك منحرفٍ، وهذا الفهم الخاطئ ألقى بظلاله على نفوس كثير من المسلمين فأصبحوا يرون أن التوبة هجرٌ لمعاني الحياة، وتجد أحدهم يقول: إنه سيتوب حين يأخذ حظه في التمتع من الدنيا، وذلك حين يخرج من دائرة الشباب إلى دائرة

(1) إحياء علوم الدين: (4/ 56) .

(2) حديث صحيح أخرجه أحمد في المسند (2/ 381) ، والبخاري في الأدب المفرد (78 رقم 273) من حديث أبي هريرة. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1/ 112 رقم 54) .

(3) سورة التحريم، الآية (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت