=أما أن يكون حماد أخطأ في هذا الحديث، فليس الخطأ بمستبعد على إنسان غير نبي، ولكن أين الدليل على خطئه هنا؟ وهذا حديث غير الحديث الأول، ووقوع حادثة المؤذن لعمر لا يمنع حدوث مثلها لبلال، والجمع بين الروايات ممكن ظاهر؛ إذ الغالب أن بلالًا أذن قبل الفجر بوقت طويل على غير ما كان يؤذن عادة؛ فإن المفهوم من الأحاديث أنه كان يؤذن, ثم ينزل فيصعد ابن أم مكتوم.
وقد جمع الخطابي في المعالم بينهما باحتمالين آخرين فقال:
ويشبه أن يكون هذا فيما تقدم من أول زمان الهجرة؛ فإن الثابت عن بلال أنه كان في آخر أيام رسول الله"يؤذن بليل، ثم يؤذن ابن أم مكتوم مع الفجر."
وثبت عنه"أنه قال: =إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم+، ثم قال:"
وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أن ذلك جائز إذا كان للمسجد مؤذنان، كما كان لرسول الله"؛ فإذا لم يؤذن فيه إلا واحد؛ فإنه لا يجوز أن يفعله إلا بعد دخول الوقت."
فيحتمل على هذا أنه لم يكن لمسجد رسول الله"في الوقت الذي نهى فيه بلالًا إلا مؤذن واحد وهو بلال، ثم أجازه حين أقام ابن أم مكتوم مؤذنًا؛ لأن الحديث في تأذين بلال قبل الفجر ثابت من رواية ابن عمر+اهـ."
ولو ذهبنا إلى ما قالوا هنا من تعارض الروايتين كان معنى هذا أن عمر يمنع الأذان قبيل الفجر وهو يعرف أن بلالًا كان يفعل ذلك على عهد النبي"وما نظن عمر ينكر عملًا ظاهرًا مثل هذا+اهـ [1] ."
قلت: وهو كلام جيد رصين.
وخلاصة القول: أن حديث ابن عمر هذا أُعِلَ بتفرد حماد بن سلمة به, ومعارضته لحديث: =إن بلالًا يؤذن بليل+, وبأن أصحاب أيوب رووه عنه مرسلًا , لذا حُكِمَ بأن الصواب: أنه من قول عمر÷ لمؤذنه حين أذن بليل, وليس هو من قول الرسول"."
(1) حاشية أحمد شاكر على جامع الترمذي (1/ 396) .