وبعد الفتح الصلاحي، عادت الحياة العلمية والدينية في المسجد الأقصى بعدما انقطعت ما يقارب قرنًا من الزمن إثر الاحتلال الصليبي له. فقد عاد المسلمون على اختلاف طبقاتهم إلى شد الرحال إليه لزيارته والصلاة والاعتكاف فيه من جهة، والعلم والتدريس والمرابطة فيه من جهة أخرى.
لقد وصلت فكرة إنشاء المدارس الدينية ذروتها في العهد المملوكي، حيث عمل المماليك الذين أحبوا القدس حبًا عظيمًا، متمثلين بالسلاطين والأمراء والقضاة ورجالات الدولة المهمين، والأثرياء الميسورين على بناء المدارس الدينية، والأربطة [1] والزوايا في أروقة الحرم الشريف، وكذلك حوله من الجهتين الشمالية والغربية، ورتبوا الوظائف فيها، وأوقفوا عليها أوقافا لبتمويلها، والصرف عليها، وقد بالغوا في حبهم لها حين أوصى بعض من مؤسسي هذه المنشآت وواقفيها بأن يدفن بعد وفاته في المبنى الذي قام بتعميره وإنشائه، فنجد في معظم هذه المباني غرفة الضريح التي دفن فيها صاحبها ن والذي نسب اسم المبنى أو المدرسة إليه تخليدًا لذكراه.
وهكذا غدا المسجد الأقصى جامعة إسلامية عظيمة الشأن، تمثل قدرة المسلمين على الإبداع والإعمار، وإشادة بنيان حضارة فريدة، وظل المسجد الأقصى يقوم برسالته العلمية والدينية في العصر العثماني وحتى يومنا هذا، ولكن ليس بالمستوى الرفيع الذي كان يتمتع به في العصور السابقة.
وقد تبلورت فكرة تقديس الحرم الشريف عند المسلمين، حتى أن بعض حجاج الشام جعلوا زيارة المسجد الأقصى وقبة الصخرة مبدأ الحج (الإهلال بالحج والعمرة) إلى الحجاز، ولم يقتصر الأمر على حجاج بلاد الشام وحسب، بل شمل الحجاج من البلدان الإسلامية الأخرى، الأمر الذي نتج عنه فكرة القدوم للعيش والمرابطة في القدس، وخير دليل على ذلك المسلمون الذين قدموا من شمال أفريقية للعيش والمرابطة في القدس، والمواظبة على الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، والذين ما زالوا يرابطون فيها مع إخوانهم المسلمين، أحفاد أولئك الصحابة الغرّ الميامين، الذين وفدوا مع الفتوحات الإسلامية، عاملين في ذلك بما جاء عن الرسول الكريم محمد صلى الله وسلم الذي قال:
(1) الرباط والزاوية، هي المباني التي استخدمت كدور للعبادة والتصوف وكذلك لإيواء الفقراء والمساكين في بلاد الشام، علمًا أن الأربطة في شمال أفريقية كانت عبارة عن القلاع العسكرية التي كانت لمرابطة العساكر فيها مع الحرص على تعليمهم وتفقيههم بأمور الدين.