وقد ساهم المماليك إسهاما مميزا في إبراز الطابع المعماري الإسلامي للمسجد الأقصى المبارك، حيث على يديهم كانت النقلة الثانية في نموه وتطوره المعماري، والتي جاءت متممة لما اختطه الأمويون ونفذوه، وبها اكتملت صورة الحرم الشريف المعمارية التي تعكس إسلامية المسجد الأقصى المبارك عبر العصور، حيث قاموا بإنشاء أروقة الحرم الشريف والمدارس الدينية التي اكتنفتها، ومآذنه وأبوابه، كما قاموا بتعمير القباب، والأسبلة، والمساطب، والمحاريب المنتشرة اليوم في ساحة الحرم الشريف.
لقد حرص المسلمون ومنذ الفتح العمري، على شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك؛ للصلاة فيه، ونشر الدعوة الإسلامية، حتى أن الخليفة الفاروق عمر كلّف بعض الصحابة الذين قدموا معه عند الفتح بالإقامة في بيت المقدس، والعمل بالتعليم في المسجد الأقصى المبارك، إلى جانب وظائفهم الإدارية التي أقامهم عليها. فكان من هؤلاء الصحابة عبادة بن الصامت (ت 34 ه ـ) أول قاض في فلسطين، وشداد بن أوس (ت 58 هـ) ، وتوفي هذان الصحابيان في بيت المقدس ودفنا فيها بمقبرة باب الرحمة الواقعة خارج السور الشرقي للمسجد.
وواصل علماء الإسلام من كل حدب وصوب شد الرحال إلى المسجد الأقصى للتعليم فيه، فكان منهم مقاتل بن سليمان المفسر (ت 150 هـ) والإمام الأوزاعي بن عبد الرحمن بن عمرو فقيه أهل الشام (ت 157 هـ) والإمام سفيان الثوري إمام أهل العراق (ت 161 هـ) والإمام الليث بن سعد عالم مصر (ت 175 هـ) والإمام محمد بن إدريس الشافعي أحد الأئمة الأربعة (ت 204 هجرية) .
وحرص الزهاد، وشيوخ الصوفية على شد الرحال إلى المسجد الأقصى للصلاة والاعتكاف فيه، والتبرك به، وذلك في القرنين الثالث والرابع الهجريين، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: بكر بن سهل الدمياطي المحدث (ت 289 هـ) وأحمد بن يحيى البغدادي الذي قدم إلى القدس وبقي فيها حتى توفاه الله.
وقد شهد المسجد الأقصى في القرن الخامس الهجري حركة علمية قوية، جعلت منه معهدًا علميًا عاليًا لعلوم الفقه والحديث، ذلك لكثرة ما وفد إليه من علماء المسلمين وأئمتهم للتدريس فيه، والذين كان أشهرهم حجة الإسلام أبو حامد الغزالي الذي قدم إليه في سنة 488 هـ معتكفًا ومدرسًا. وقد ذكر حجة الإسلام أنه كان ثلاثماية وستون مدرسًا في المسجد. الأمر الذي يؤكد المكانة الرفيعة التي يتمتع بها المسجد الأقصى المبارك عند المسلمين.