المدينة كان في حدود هذا التاريخ، وقد قرأ عليه في هذه المدينة خلق كثير، وانتفعوا به [1] ثم عاد إلى تونس، وبعدها عبر البحر إلى الأندلس، وقصد لورقة في شرقي شبه الجزيرة، ... والظاهر أن عودته إلى الأندلس كانت بعد عام 646 هـ / 1248 م، وهو العام الذي سقطت فيه إشبيلية بيد الإسبان، حيث لم يذكر المؤرخون أنه زار إشبيلية في رحلته هذه، وهي كما نعرف بلده التي نشأ فيها، وعاش فيها صدر حياته، ونقدر أنه لم يمنعه مانع من دخولها إلاّ كونها محتلة بيد الإسبان، وبعد ذلك رحل إلى غرب الأندلس، ولم تطل إقامته فيها، فرجع إلى المغرب، وعبر إلى مدينة سلا قرب الرباط، وأقام فيها يسيرًا، ثم عاد إلى تونس باستدعاء صاحبها محمد المستنصر بعد توليه الملك [2] ، واستقرّ فيها إلى أن انتقل إلى جوار ربه 0
ولم تكن شخصية عظيمة كابن عصفور تخفى على أمراء عصره، وأصحاب الدول فيه، لما حازه من براعة في علوم العربية، كما كان هو نفسه طمَّاحا إلى ذلك، فقد اتصل بأمراء زمانه وأعيانهم، فكان يخدم الأمير عبد الله بن محمد بن أبي بكر الهنتاني، وقد ألّف كتابه المشهور في النحو، وهو كتاب المقرب بإشارة من الأمير أبي زكريا يحيى ابن أبي محمد عبد الواحد بن أبي بكر [3] ، كما ألّف كتاب ضرائر الشعر بإشارة من الخليفة المستنصر بالله [4] ، كما اتصل بابن صاحب الرد وهو أبو بكر ابن الشيخ أبي الأصبغ ابن صاحب الرد، وصاحب الرد هو ترجمان السلطان [5] 0
شيوخه:
شيوخ ابن عصفور على قلّتهم كانوا من أعلام عصرهم في علومهم، ومن الذين حازوا أرفع المناصب العلمية في زمنهم، ومن أشهر الشيوخ الذين ذكرهم ابن عصفور اثنان، يهمنا أن نعرف مَن منهما كان أول معلميه، كما يعنينا استشفاف مدى العلائق التي ربطته بهما ضعفًا وقوة وتأثيرًا فيه 0
ـ 12 ـ
(1) صلة الصلة ص 142، عنوان الدراية ص 188
(2) تراجم المؤلفين التونسيين 3/ 391 - 392
(3) المقرب 1/ 44
(4) ضرائر الشعر ص 6
(5) فخر الدين قباوة، مقدمة الممتع في التصريف 1/ 7