الصفحة 55 من 66

وإذا صح قياس البصمة الوراثية علي تلك المسائل، وأنسحب عليها الخلاف الحاصل في تلك المسائل، سوغ للحاكم عندئذ أن يحكم بأي القولين ترح عنده بحسب ما يحف بالقضية من قرائن قد تدعوه إلي إثبات الحد أو القصاص بها، أو ضعف القرائن، وتطرق الشك إليه في قضية أخري فيحمله ذلك علي الإحتياط والأخذ بما ذهب إليه الجمهور من عدم إثبات الحد والقصاص بمثل هذه القرائن، فحكم الحاكم بأي قول من القولين يرفع الخلاف الحاصل، كما هو إجماع العلماء، ولا لوم علي القاضي في الحكم بأحدي القولين إذا تحري واجتهد في معرفة الحق، ونظر في جميع القرائن والأحوال ثم حكم به بعد التأمل والنظر بل هذا هو الواجب والمتعين علي الحاكم.

قال العلامة بن القيم رحمه الله: (والحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات، ودلائل الحال ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام، أضاع حقوقًا كثيرة علي أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه، ولا يشكون فيه اعتمادا منه علي نوع ظاهر لم يلتفت إلي باطنه وقرائن أحواله، فهاهنا نوعان من الفقه لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس يميز به بين الصادق والكاذب، والحق والمبطل، ثم يطابق بين هذا وهذا فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفًا للواقع) (1)

ثم ذكر رحمه الله جملة من الأدلة الدالة علي الأخذ بالقرائن والحكم بمقتضاها ومن ذلك قوله: (وقد حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه والصحابة معه برجم المرآة التي ظهر بها حمل ولا زوج لها ولا سيد. وذهب إليه مالك وأحمد في أصح روايته اعتمادًا علي القرينة الظاهرة. وحكم عمر وابن مسعود رضي الله عنهما - ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة - بوجوب الحد برائحة الخمر من في الرجل، أو قيئه خمرًا، اعتماد علي القرينة الظاهرة.

(1) - الطرق الحكيمة ص 4. ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت