المستند الشرعي لجواز الأخذ بالبصمة الوراثية في المجال الجنائي إنها وسيلة لغاية مشروعة، وللوسائل حكم الغايات، ولما في الأخذ بها في هذا المجال من تحقيق لمصالح كثيرة، ودرء لمفاسد ظاهرة، ومبني الشريعة كلها علي قاعدة الشرع الكبري، وهي (جلب المصالح ودرء المفاسد) وأخذًا بما ذهب إليه جمهور الفقهاء من مشروعية العمل بالقرائن والحكم بمقتضاها، والحاجة غلي الاستعانة بها علي إظهار الحق، وبيانه بأي وسيلة قد تدل عليه، أو قرينة قد تبينه، استنادًا للأدلة الشرعية الكثيرة من الكتاب والسنة الدالة علي ذلك وعملًا بما درج عليه الولاة والقضاة منذ عهد الصحابة رضوان الله عليهم، ومن بعدهم في عصور الإسلام المختلفة إلي يومنا هذا من استظهار للحق بالقرائن، والحكم بموجبها، كما قال العلامة بن القيم رحمه الله (ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات فإذا ظهرت لم يقدموا عليها شهادة تخالفها ولا إقرارًا، وقد صرح الفقهاء كلهم بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود فرقهم وسألهم كيف تحملوا الشهادة وأين تحملوها؟ وذلك واجب عليه متي عدل عنه أثم وجار في الحكم، وكذلك إذا ارتاب بالدعوى سال المدعي عن سبب الحق وأين كان؟ ونظر في الحال هل يقتضي صحة ذلك؟ وكذلك إذا ارتاب بمن القول قوله، والمدعي عليه، وجب عليه أن يستكشف الحال ويسأل عن القرائن التي تدل علي صورة الحال، وقل حاكم أو وال اعتني بذلك وصار له فيه ملكة إلا وعرف المحق من المبطل، وأصل الحقوق إلي أهلها .. ) (1)
وقال بن العربي: علي الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت فما ترجح منها قضي بجانب الترجيح، وهو قوة التهمة، ولا خلاف في الحكم بها وقد جاء العمل بها في مسائل اتفقت عليها الطوائف الأربعة، وبعضها قال بها المالكية خاصة) (2)
(1) - الطرق الحكمية ص 24. ...
(2) - تبصرة الحكام لابن فرحون 2/ 95، معين الحكام للطرابلسي ص 166. ...