سبقت الإشارات إلي أن النسب إذا ثبت بأحدي الطرق الشرعية، فإنه لا يجوز نفيه البتة، إلا عن طريق اللعان للدلالة الدالة علي ذلك، فقد دلت قواعد الشرع أيضًا علي أنه لا يجوز محاولة التأكد من صحة النسب بعد ثبوته شرعًا، وذلك لاتفاق الشرائع السماوية علي حفظ الضروريات للحياة الإنسانية ومنها حفظ النسب، والعرض، ولما جاءت به هذه الشريعة المباركة من جلب للمصالح ودرء للمفاسد، وحيث أن محاولة التأكد من صحة الأنساب الثابتة فيه قدح في أغراض الناس وأنسابهم يؤدي إلي مفاسد كثيرة، ويلحق أنواعًا من الأضرار النفسية والاجتماعية بالأفراد والأسر والمجتمع، ويفسد العلاقات الزوجية ويقوض بنيان الأسر، ويزرع العداء بين الأقارب والأرحام، لهذا كله فإنه لا يجوز محاولة التأكد من صحة النسب عن طريق البصمة الوراثية ولا غيرها من الوسائل كما أنه لو تم إجراء الفحص بالبصمة الوراثية للتأكد من نسب شخص من الأشخاص وأظهرت النتائج خلاف المحكوم به شرعًا من ثبوت النسب، فإنه لا يجوز الإلتفات إلي تلك النتائج، ولا بناء علي حكم الشرعي عليها، لأن النسب إذا ثبت ثبوتًا شرعيًا، فإنه لا يجوز إلغاؤه وإبطاله إلا عن طريق واحد وهو اللعان كما سبق بيانه - ويدل علي ذلك ما رواه البخاري ومسلم (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (جاء رجل من بني فزارة إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ولدت امرأتي غلامًا أسود وهو حينئذ يعرض بنفيه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - فهل لك من إبل؟ قال نعم، قال: فما ألوانها، قال حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقًا، قال: فأني أتاها ذلك؟ قال عسي أن يكون نزعه عرق، ولم يرخص له - صلى الله عليه وسلم - في الانتفاء منه)
(1) - في صحيحه 4/ 211. ...