فقد دل هذا الحديث بمنطوقه الصريح علي إثبات النسب بالفراش مع وجود ما يخالف ذلك، وهو شبه الغلام بغير صاحب الفراش لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعتد بذلك، بل أثبت النسب لصاحب الفراش إعمالًا للأصل. (1) كما أشار القرآن الكريم إلي ذلك في قوله عز وجل: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلي المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} (2) فقد نسب الحق عز وجل الأولاد للأمهات للقطع بوالديتهن لهم، بخلاف الآباء فقد عبر عنهم بقوله .. (المولودة) لأن المولود له قد لا يكون هو الأب الحقيقي، لكنه لما ولد علي فراشه نسب إليه إعمالًا للأصل، وإطراحًا لما سواه (3)
وللعلامة بن القيم كلام نفيس في إيضاح هذا المعني والتأكيد عليه حيث قال رحمه الله: (وجواز التخلف عن الدليل والعلامة الظاهرة في النادر لا يخرجه عن أن يكون دليلًا عند عدم معارضة ما يقاومه. ألا تري أن الفراش دليل علي النسب والولادة، وأنه أبنه، ويجوز، - بل يقع كثيرًا - تخلف دلالته، وتخلق الولد من غير ماء صاحب الفراش ولا يبطل ذلك كون الفراش دليلًا، وكذلك أمارات الخرص والقسمة والتقويم وغيرها قد تتخلف عنها أحكامها ومدلولاتها، ولا يمنع ذلك اعتبارها، وكذلك شهادة الشاهدين وغيرهما وكذلك الإقراء، والقرء الواحد في الدلالة علي براءة الرحم فإنها دليل ظاهر مع جواز تخلف دلالتها، ووقوع ذلك، وأمثال ذلك كثير(4)
الفرع الثالث
حكم استخدام البصمة الوراثية للتأكد من صحة النسب الثابت
(1) - انظر: الطرق الحكمية، ص 201. ...
(2) - سورة البقرة آية 233. ...
(3) - مع تعليق للشيخ، محمد سالم عبد الودود في مناقشات مجلس المجمع الفقهي في دورته (15) ص 12. ...
(4) - الطرق الحكمية ص 209. ...