اغتسل في خلوة في الحمام وغيره استحبّ أن يشدّ وسطه حال الغسل، فإنّ الله سبحانه وتعالى أحق أن يُستحى منه، قال في الإحياء: ولا بأس أنْ يأمر غيره بذلك حرمة إلاّ ما بين السرة والركبة فإنه يحرم كشفه ومسّه، ولوكان في الحمام غلام [1] أمرد حرم تمكينه من ذلك في العورة وغيره، لأنّ ملامسة الأمرد، والنظر إليه من المحرمات، ويحرم على الداخل النظر إلى عورة غيره، ويجب عليه أن ينهاه عن كشفها؛ لأن النهي عن المنكر واجب.
واعلم أنّ الفقهاء قالوا: يجوز للرجال والنساء دخول الحمام إنْ اتّزر وغض بصره، إلاّ أنّ الدخول بهذا الوجه عزيز الوجود في هذا الوقت، بل كم من دخل الحمام طاهرا يخرج بخسًا، وكم من دخلها تكون فائدتها استحقاق اللعنة، بقوله عليه السلام: لعن الله الناظر والمنظور إليه، فمن راعى دينه، ولبس جبة الغيرة، لا يدخل هو ولا أهل بيته إلاّ في وقت الخلوة، وقال بشر بن الحارث رحمه الله تعالى: ما أعفّ رجل لا يملك إلاّ درهما دفعه ليُخلى له الحمام، وأمَّا ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه رُئي في الحمام ووجهه إلى الحائط، وقد عصب عينيه [2] بعصابة، فيحتمل أنه إنما فعل ذلك مخافة أنْ تنكشف عورة شخص، فيقع بصره عليها، أو أنه فعله تحرزا من النظر إلى الزائد على العورة؛ لأن النظر فيه شيء [3] من قلة الحياء، ولهذا قيل: لا بأس بدخول الحمام، ولكن بإزارين، إزار للعورة، وإزار للرأس يتقنع به، ويحفظ عينيه [4] .
وحُكي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أنه دخل الحمام، فرأى شخصا مكشوف العورة، فأغمض عينيه، فاعتقد الواقف أنه أعمى، فقال له: منذ كم قُبِض بصرُ البعيد؟ فقال: منذ هتك الله ستر الأبعد، قال: وأن يُعطي الأجرة قبل الدخول، فإن الماء الذي يستوفيه مجهول، قال: ويُكره الدخول بين العشاءين، وقريبا من غروب الشمس، فإن ذلك وقت انتشار الشياطين، ويُكره دخوله للصائم كما سبق، فليدخل الحمام بعد الغداء، ومن قصد التهزيل فليدخل قبله؛ لأنه يضعفه عن الصوم، ويُكره أيضا مع أهل البلاء دخوله/ لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يورد ذوعاهة على صحيح البدن، وقوله صلى 13 ب الله عليه وسلم: لا تُطيلوا النظر إلى المجذوم، إذا كلمتموه فليكن بينكم وبينه قدر رمح، رواه أحمد رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فِرَّ من المجذوم فِرارك من الأسد، وجاء مجذوم فبايعه صلى الله عليه وسلم، ولم يمدّ يده إليه، وقال: امسك يدك، فقد بايعتك، وأمَّا ما روي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع مجذوم، فقال له: كل، ثقةً بالله وتوكلًا عليه، فأجاب عنه الحليمي وغيره بأن المراد: كل وأنت واثق بحصول الشفاء لك ببركة المؤاكلة معي
(1) مكان كلمةغلام كلمة غبر مفهومة، ولم يظهر منها إلا (بلا .. ) فقدرنا مكانها الكلمة التي أثبتناها.
(2) كتب: عيناه.
(3) كتب: ثوب.
(4) كتب: عيناه