الصفحة 4 من 52

الفصل الأول

في فضل النكاح والترغيب فيه

أما ترغيب النكاح فقد بالغ بعضهم فيه، حتى قدّموه على التخلّي لنوافل العبادات، كما هومذهب أبي حنيفة رحمه الله، وقيل هذا لم يبق في زماننا لحُرمةٍ واقعةٍ في الاكتساب، فينبغي أن يقدم التخلي عليه، كما هومذهب الشافعي رحمه الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أَتَى عَلَى أُمَّتي مائةَ وثمانون سنةً فقدْ حلّت لهُمْ العزوبةُ والعزلةُ والترهبُ علَى رؤوسِ الجبالِ، وقال النبي عليه السلام: يأتي على الناس زمانٌ لا تُنالُ المعيشة فيه إلاّ بالمعصية، فإذا كان ذلكَ الزمانُ حلّت العزوبة.

الحديثان مذكوران في الكشاف [1] ، ولهذا قال صاحبه فيه: وربما كان واجب الترك إذا أدّي إلى معصية أو مفسدة، وقال في شعره:

تزوّجتُ لم أعلمْ وأخطأتُ لن أُصِب فيا ليتني مت قبل التزوج

فوالله لا أبكي على ساكن الثرى ولكنني أبكي على المتزوج

وقال بعض الأعراب: التزوّج فرح شهر، وغم دهر، وكسر ظهر.

وأمَّا الأدلة المرغِّبة فيه فقد قال الله تعالى: [فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ] [2] ، فأباح للرجال أربعا؛ لطفا منه بخلقه، ورحمة لهم أنْ يتجاوز واحد الشهوة إلى المحظور عليهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى: [وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا] [3] أنّ الرجل يتزوج المرأة الغريبة، فتقع بينهما الألفة، ثم تلا صلى الله عليه وسلم [وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً] [4] ، وقال الله تعالى: [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً] [5] ، ومدح أولياءه بالسؤال، فقال: [وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ] [6] ، وقال صلى الله عليه وسلم: النِّكَاحُ سُنَّتِي فمن أحب فِطرتي فليستنَّ بسنتي، تناكحوا تناسلوا تكثروا، فإني أُباهي بكم الأمم يوم القيامة، ولو بالسقط، وفي رواية: فمن رغب عن سنتي فليس منِّي، وفي رواية: فمن رغب عن سنتي فمات قبل أن يتزوج صرفَتْ الملائكةُ وجهَه عن حوضي يوم القيامة، وإنّ من سنتي النكاح.

(1) الكشاف 4/ 403 / المكتبة الشاملة.

(2) النساء 3

(3) الفرقان 54

(4) الروم 21، والآية بتمامها: [وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]

(5) الرعد 38

(6) الفرقان 74

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت