ومنها:- ما نص عليه الفقهاء رحمهم الله تعالى من أن المكاري الجاهل يحبس، وأن المتطبب الجاهل يعزر ويحبس، وأن المفتي الجاهل الذي يفتي الناس بغير علم يمنع ويعزر بما يراه الإمام رادعا له، فأما المكاري فمنعه من دخول السوق يراد به سد ذريعة أكل أموال الناس بالباطل، والشريعة جاءت بحفظ المال، وأما المتطبب الجاهل فلسد ذريعة فساد الصحة وهلاك الأنفس، لأن الشريعة جاءت بحفظ النفس، وأما الحجر على المفتي الجاهل فلسد ذريعة فساد الدين، لأن الشريعة جاءت بحفظ الدين، وعليه فهنا عدة قواعد , الأولى:- كل ذريعة ومن شأنها فساد الدين فالواجب سدها ومنعها , الثانية:- كل ذريعة من شأنها إهلاك المال بغير وجه الحق فهي ممنوعة , الثالثة:- كل ذريعة من شأنها إهلاك النفوس وإتلاف الأطراف والاعتداء على الصحة بغير وجه حق فهي باطلة وكل هذا يدخل تحت هذا الأصل المبارك (سد الذرائع) .
ومنها:- ما قرره الفقهاء رحمهم الله تعالى بجواز قتل من تترس بهم الكفار من المسلمين إن تترس بهم العدو في حال هجومه على الدولة الإسلامية، فإن لم نجد بدا من رميه إلا برميهم معهم فلا حرج، لأن المتقرر أنه إن تعارض مفسدتان روعي أشدهما بارتكاب أخفهما، ولأن ترك العدو وما يريد مراعاة لمصلحة المسلمين الذين معه يوجب هلاك المسلمين أهل البلد، واستباحة ديارهم وانتهاك أعراضهم، فإن العدو الكافر لا يرحم عرض المسلم ولا توسله إن تغلب عليه، فلما كان ترك العدو يوجب هذه المفاسد كان لا بد من سد جميع ذرائعها، فنحن نقول:- بجواز رمي الكفار وإن تترسوا بمسلمين سدا لذريعة هلاك أهل الإسلام واستباحة أموالهم وأعراضهم وأرواحهم ولأن المتقرر أن الضرر الخاص يحتمل من أجل الضرر العام.
ومنها:- ما نص عليه الفقهاء رحمهم الله تعالى من أن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه فإن هذه القاعدة تدخل تحت هذا الأصل المبارك (سد الذرائع) وبيان ذلك، أن من أوصى لك بشيء، ولكنه طال عمره، والوصية لا تنفذ إلا بعد الموت، واستبطأت موته، وكان الموصى له قليل الديانة، فاستعجل تنفيذ الوصية فقتل الموصي، فهو هنا قد استعجل الشيء قبل أوانه، وفي هذه الحالة فإنه لا بد وأن يعاقب بحرمانه، لأن هذا يسد ذرائع القتل بغير وجه حق، والدين جاء بحفظ النفوس، فسدا لذريعة القتل منعت الشريعة القاتل من حق الوصية، وكذلك نقول:- إن المتقرر أن