تكون إلا في ذات النبي صلى الله عليه وسلم، فذاته صلى الله عليه وسلم ذات مباركة، ولذلك فقد ثبت في الأحاديث أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتبركون بعرقه وثيابه ووضوئه وبقية شرابه صلى الله عليه وسلم، لأن ذاته صلى الله عليه وسلم ذات مباركة، وبركتها تنتقل لما لامسها، وهذا باتفاق أهل السنة رحمهم الله تعالى، بل ويجوز على قول أهل السنة رحمهم الله تعالى التبرك بآثاره ولو بعد مماته صلى الله عليه وسلم، ولكن اتفق أهل العلم رحمهم الله تعالى على أن آثاره كلها قد فقدت فلم يبق منها شيء، وأما ما يذاع هنا وهناك من أن من أثر النبي صلى الله عليه وسلم فهو كذب وافتراء يراد به ابتزاز أموال الناس وإفساد عقيدتهم، واتفق عامة أهل السنة رحمهم الله تعالى على أنه ليس في الأمة من بركته بركة ذاتية منتقلة غيره صلى الله عليه وسلم، فليس شيء من أجزاء الأرض بركته بركة ذاتية منتقلة، ولم يبق في الأمة إلا ما بركته بركة معنوية لازمة، أي أنها لا تنتقل عن محلها، كبركة رمضان، وعاشوراء، وعشر ذي الحجة، وغيرها مما ثبتت فيه البركة من الأزمنة وكبركة المسجد الحرام ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، وماء زمزم، وبركة القرآن ونحوها مما ثبتت فيه البركة بالدليل الصحيح الصريح، فبركة هذه الأشياء إنما هي بركة معنوية لازمة، لا ذاتية منتقلة، وقد أوجب الخلط بين نوعي البركة فسادا كبيرا في الاعتقاد، وبدعا كثيرة لا عد لها ولا حصر، فالواجب على أهل العلم أن يبينوا للناس الفرق بين هذين النوعين، ولعلنا نفرد فيها رسالة خاصة إن شاء الله تعالى، والمهم هنا أن تعلم أن الأصل في باب التبرك بالأعيان والأزمنة والأمكنة التوقيف على الأدلة، وما قرر أهل العلم رحمهم الله تعالى ذلك إلا ليسدوا باب البدع والإحداث، وباب الشرك والوثنية، فسد هذا الباب من أهم المهمات، وهو الذي تفيده قاعدة (سد الذرائع) فانظر كيف بركة هذه القاعدة، وانظر كيف حرص الشريعة على تقريرها، واطلع كيف اهتم أهل العلم رحمهم الله تعالى على بيانها البيان الكامل، والله يتولانا وإياك.
{فصل}
ومن الأمور المهمة التي قررتها الشريعة تفريعا على هذه القاعدة الطيبة (سد باب الأقوال التي قد توهم أو تفضي إلى مشاركة الرب جل وعلا فيما هو من خصائصه) وعلى ذلك أمثلة:-