ولو نظرنا إلى مصلحة المستحقين فإقراض ابن السبيل بدل إعطائه يوفر مصرفا من المصارف حيث سيرد ما اقترض، ولو نظرنا إلى مصلحة ابن السبيل فإقراضه من الزكاة أليق به من إعطائه منها كالفقراء والمساكين؛ لأنه يحفظ له مكانته الاجتماعية بشكل أفضل، وكل ذلك يجعل إقراض ابن السبيل أولى من إقراض غيره، ولما كان كذلك ولم يقرضه الشرع منها ثبت أن غيره لا يقرض منها من باب أولى.
الدليل الخامس عشر: من القواعد المتعلقة بالحاجة تقديم بعض الحوائج على بعض، فإذا اجتمعت حاجتان وأمكن تحصيلهما حصلتا، أما إذا لم يمكن تحصيلهما فإن الحاجة الأشد تقدم [1] ، وحاجة من به حاجة إلى الاقترض وهو ليس من أهل الزكاة أقل من حاجة فقراء العالم الإسلامي الضرورية، فتقدم هذه على تلك، فتعطى لهم، ولا يقرض منها شيئا.
ولا يقال بأن الحاجتين غير متعارضتين نظرا لوجود فائض؛ وذلك لما ذكرناه سابقا من أن الفائض ليس حقيقيا بل وهميا وإقليميا ناشئا من التقصير في نقله إلى المناطق المحرومة في البلدان الأخرى من عالمنا الإسلامي.
الدليل السادس عشر: بعض المستحقين المنصوص عليهم في آية: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ) لايجوز لهم الانتفاع بالزكاة إلا في الوجه الذي نص عليه الشارع فإن حاولوا الإنتفاع بها في غير هذا الوجه استردت منهم، وإذا ثبت ذلك ثبت أن الإقراض من الزكاة لا يحوز من باب أولى؛ لأنه انتفاع غير المنصوص عليهم بالزكاة في أوجه غير منصوص عليها.
الدليل السابع عشر: حاجة المحتاج إلى الاقتراض لا تصلح علة لإقراضه من الزكاة وذلك لأن من يملك مشروعا إقتصاديا كمصنع لم يستطع إتمامه أو أرض لم يتمكن من استصلاحها أو عمارة لم يستطع تشطيبها مثلا يمكنه أن يبيع جزءا من مصنعه أو أرضه أو شقة من عمارته يتمم به مشروعه ما دام دخل الباقي يؤمن له حد الكفاية، ولا يجوز إعطاؤه من مال الزكاة قرضا بحجة أنه من الغارمين لأن مثل هذا لو كان عليه دين بالفعل فإنه لا يعطى من سهم الغارمين بالاتفاق
(1) قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام ج 1 ص 58 وما بعدها.