المطلب الرابع
أدلة القول الثاني ومناقشاتها
القول بعدم جواز الإقراض من الزكاة عمل بالأصل المستمر من لدن نبينا حتى عصرنا وبعد أن أثيرت مسألة الإقراض من الزكاة لم تنصرف الهمم إلى الاستدلال على عدم الجواز، ولعل ذلك كان اكتفاء بما عليه العمل المستمر من عدم الإقراض لكن وجد في بعض الفتاوى التي صدرت بعدم جواز الإقراض وكذا في بعض التعقيبات على كلام بعض من رأو جواز الإقراض بعد إشارات تصلح أن يستدل بها على القول بعدم جواز الإقراض من الزكاة لكنها قليلة جدا رغم كثرة الأدلة الصحيحة التي تدل لهذا القول، وها هي الأدلة التي وردت في تلك الإشارات ومعها ما هدى الله تعالى إليه من أدلة تدل لهذا القول، لكن قبل ذكر هذه الأدلة نشير إلى أن كثيرًا مما رددنا به على القول بجواز الإقراض من الزكاة أدلة صحيحة صريحة تدل على عدم جواز الإقراض منها، لكن إيثارًا لعدم التكرار لن نذكرها هنا، وسنكتفي بذكر ما لم يسبق الإشارة إليه مما يصلح أدلة للقول بعد جواز الإقراض، وها هي تلك الأدلة:
الدليل الأول: قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [1] .
وهذه الآية الكريمة تدل من أكثر من وجه على أنه لا يجوز الإقراض من الزكاة، وها هي وجوه دلالتها:
الوجه الأول:"إنما التي صدرت بها الآية الكريمة أداة حصر تفيد أن الزكاة للأصناف الثمانية دون سواهم فلا يجوز صرف الزكاة لأحد أو في وجه غير داخل في هذه الأصناف الثمانية وإلا بطل الحصر."
الوجه الثاني: أن لفظ"الصدقات"جمع محلي بالـ، فيفيد العموم؛ لأن الجمع المحلي بالـ من صيغ العموم [2] ، فالمعنى أن كل الزكاة تعطى لهؤلاء المذكورين في الآية، وإذا كانت كلها تعطى
(1) سورة التوبة: الآية 60.
(2) الإبهاج لابن السبكي ج 2 ص 101.