المطلب الخامس
الترجيح والإختيار
ظهر مما سبق أن القول بمنع الإقراض من أموال الزكاة هو الذي يتفق مع نصوص الشريعة ومقاصدها في الزكاة من حماية الفقراء والمساكين وغيرهم من المستحقين، وأنه مؤسس على أدلة قوية صحيحة صريحة لم يرد على شيء منها ما يخدشه، أما أدلة القول بجواز الإقراض بشروط أو بدون شروط فقد تم مناقشتها بما ظهر معه ضعفها الشديد بل بما أدى إلى نقضها تماما وأن إثباتها ماسبقت لإثباته بعيد جدا، ومن ثم فإن القول بمنع الإقراض من الزكاة هو ما أراه صوابا.
وهو القول الذي يتفق مع الواقع المشاهد الناطق بأن حاجات المستحقين للزكاة في بلاد عالمنا الإسلامي بل حاجات الفقراء والمساكين وحدهم أكبر بكثير من أن يتبقى بعد سدها أي شيء نختلف في إقراضه أو عدم إقراضه لغيرهم.
وكذا حاجات المدينين خاصة من الشباب الذين يساقون إلى السجون لعدم قدرتهم على رد ما اقترضوه ليقيموا به مشروعا صغيرا يعيشون وذويهم منه، وهؤلاء ليسوا قلة، بل إن عددهم كبير جدا نظرا لحاجتهم ولكونهم أكثر من الوظائف المتاحة ولكثرة الجهات التي تقرض المواطنين بتسهيلات وتيسيرات وإجراءات بسيطة.
إن حاجات هؤلاء وأولئك كبيرة جدا لدرجة يظن معها ظنا غالبا أن القول بسدها ووجود ما نقرضه غيرهم بعد ذلك عسير التصور، وحتى لو تصورنا ذلك فالصحيح من الفقراء والمساكين قد يمرض أو يصيب المرض زوجه أو بعض ولده أو تموت زوجه ويحتاج لأخرى حاجة ملحة، وبعد أن كانت حاجته مأكلا وملبسا ومسكنا أضيف إليها نفقات دواء أو زواج ضروري، والقادر على الكسب قد يعجز، وما أكثر الحوادث المصيبة بالعجز فينضم من كان قادرا إلى قائمة المحتاجين، وما أكثر طوارئ الحياة التي تحتاج في دفعها إلى المال، إن طرؤها لا يتوقف وقد تعجز حتى الموسرين فما البال بالفقراء والمساكين، فحصر عدد المستحقين ومدى حاجتهم لا يعطينا