الصفحة 59 من 73

نفسها بلا أدنى فائدة لمستحقيها، ومن ثم فإنه لا يجيزه عقل أو منطق أو شرع.

الدليل الثاني عشر: القرض ينطوي على تبرع من المقرض للمستقرض بالانتفاع بالمال المقرض بدون مقابل لهذا الانتفاع [1] ، ولذا اشترط في المقرض أن يكون مالكا للتصرف في المال المقرض يصح تبرعه به، ولا يستثنى من ذلك إلا ما تقتضية مصلحة مالك المال كما لو كان سينهب أو يضيع إذا لم يقرض.

والعاملون على الزكاة لا يملكون أموال الزكاة ويدهم عليها ليست يد تصرف بل يد أمانة [2] ؛ لأن عملهم إنما هو أخذ الزكاة من الأغنياء وردها على الفقراء بدليل قوله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ رضي الله عنه:"ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم" [3] ، فالعاملون عليها ليسوا من أهل التبرع بهذا المال، ولما كان شرط المقرض أن يكون مالكا للتصرف في المال ويصح تبرعه به ثبت أن العاملين عليها لا يجوز لهم الإقراض منها.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فالمستحقون للزكاة من أهل الرشد فليس للعاملين عليها التصرف في أموالهم بغير إذنهم، قال النووي:"لا يجوز للساعي ولا للإمام أن يتصرف فيما يحصل عنده من الفرائض حتى يوصلها إلى أهلها؛ لأن الفقراء أهل رشد لا يولي عليهم بغير إذنهم، فلا يجوز التصرف في مالهم بغير إذنهم" [4] .

وإذا ثبت ذلك ثبت أنه لا يجوز الإقراض من الزكاة لأنه تصرف لا يملكه العاملون عليها ولم يأذن لهم به مستحقوها.

فإن قيل: جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة يجيزون للساعي بيع الزكاة [5] .

أجيب: بأنهم إنما يجيزون ذلك استثناء في حالة الضرورة القاضية بذلك كما إذا لم يمكن نقلها من بلد الوجوب بعد سد حاجات المحتاجين فيه وذلك لخطر في الطريق أو لعدم وجود مؤنة النقل أو لخوف هلاكها عند النقل، قال النووي:"لا يجوز للإمام والساعي بيع شيء من مال"

(1) بدايع الصنائع ج 7 ص 394، ونهاية المحتاج ج 4 ص 219.

(2) مجلة الفقه الإسلامي العدد 3 ج 1 ص 354.

(3) الأموال لأبي عبيد ص 528.

(4) المجموع ج 6 ص 122.

(5) المغني ج 2 ص 674.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت