الصفحة 55 من 73

مجمع أبدا علم أنه لم يكن"، ثم قال:"تركه -صلى الله عليه وسلم- سنة كما أن فعله سنة - فإن استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق" [1] ، وقال ابن السمعاني:"إذا ترك الرسول -صلى الله عليه وسلم- شيئا وجب علينا متابعته فيه"، وقال الزركشي:"المتابعة كما تكون في الأفعال تكون في التروك" [2] ."

وإذا ثبت أنه يجب متابعته -صلى الله عليه وسلم- فيما ترك خاصة إذا لم يكن تركه لمعنى قد زال ثبت وجوب متابعته في ترك الإقراض من الزكاة؛ لأنه من هذا القبيل.

الدليل الخامس: قال -صلى الله عليه وسلم-:"لا تحل الصدقة لغني".

وجه الدلالة: أن المقترض ليس من مستحقي الزكاة؛ لأنه لو كان من المستحقين لأعطى منها تمليكا لا إقراضا، فهو ليس فقيرا ولا مسكينا، ومن كان كذلك فهو غني، وقد بين -صلى الله عليه وسلم- أنها لا تحل للغني، وأجمع العلماء على ذلك [3] ، والفعل"تحل"واقع في سياق النفي -"لا"-، فيفيد العموم؛ لأن الفعل إذا وقع في سياق النفي فإن الصواب أنه يعم كما ذكره الزركشي في البحر، ولهذا لو حلف لا يبيع ولا يطلق حنث بأي بيع كان وأي طلاق كان؛ لأنه يفهم منه نفي أفراد هذا الجنس من البيع أو الطلاق [4] ، فقوله -صلى الله عليه وسلم-:"لا تحل الصدقة"يفهم منه نفي أفراد الحل كلها ومنها حلها قرضا أي على سبيل القرض.

ويؤكدهذا قوله -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي بإسناد صحيح:"لا حظ فيه لغني" [5] ، وكلمة حظ نكرة منفية، فتعم لك الأوجه ومن بينها الاقتراض.

فإن قيل: قد استثنى النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض الأغنياء.

أجيب: بأن المستثنين خمسة ليس من بينهم مريد الاقتراض، والاستثناء لا يقاس عليه.

الدليل السادس: عن زيد بن أسلم قال:"شرب عمر بن الخطاب لبنا فأعجبه فسأل الذي سقاه من أين هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء قد سماه فإذا نعم من نعم الصدقة وهم يسقون"

(1) إعلام الموقعين ج 2 ص 390.

(2) البحر المحيط ج 4 ص 191 ص 214.

(3) الاستذكار لابن عبد البر ج 9 ص 199.

(4) البحر المحيط ج 3 ص 123.

(5) إرواء الغليل للألباني رقم 876.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت