أجيب: بأن ردهم بدل ما أخذوا لا ينفي أنهم أعطوا من الزكاة وتملكوا ما أخذوا واختصوا به دون سواهم وانتفعوا به، وكل ذلك محظور فيكون إقراضهم محظورا.
ومما يؤكد هذا أن لفظ"الوضع"الوارد في الحديث معناه الجعل، وجعل الزكاة قرضا وضع لها في غير ما أمر الله تعالى، فيكون ممنوعا.
الدليل الثالث: روي أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: أعطني من الصدقة، فقال:"إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك" [1] .
وجه الدلالة:
1 -أن هذا رجل جاء طالبا الصدقة فبين له النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الزكاة ليست لسد حاجة إلا من كان من الأصناف الثمانية، فإن كان منهم أعطى منها وإن لم يكن لم يعط حتى ولو أظهر لنا حاجته.
2 -أن هذا رجل أظهر حاجته، ولما لم يكن من الأصناف الثمانية لم يعط منها، ولو كان يجوز إقراض من ليس من الأصناف الثمانية من الزكاة لسد حاجته ثم يرد ما اقترضه لأقرض النبي -صلى الله عليه وسلم- منها هذا الرجل لكنه لم يقرضه فدل ذلك على عدم جوز إقراض المحتاجين الذين ليسوا من مستحقيها شيئا منها.
الدليل الرابع: لم ينقل إلينا أحد أنه -صلى الله عليه وسلم- أقرض أحد من الزكاة فعلمنا بذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- ترك هذا الأمر ولم يفعله، فتكون سنته -صلى الله عليه وسلم- ذلك، قال ابن القيم:"نقْلُ الصحابة ما تركه -صلى الله عليه وسلم- نوعان، وكلاهما سنة: أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، والثاني: عدم نقلهم لما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ولا حدَّث به في"
(1) أخرجه أبو دود والبيهقي، سنن أبي داود كتاب الزكاة: باب من يعطى الصدقة 1/ 378، وسنن البيهقي 4/ 173.