نُقل عن ابن سيرين والزهري وغيرهم أنهم أيضا يرون ذلك [1] ، فكما جاز إعطاؤهم من الزكاة لحاجتهم يجوز إقراض المحتاج المسلم منها، بل هو أولى.
وهو مردود بأننا لو سلمنا ذلك مع مخالفته لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث معاذ:"فترد في فقرائهم"ومخالفته لما حكاه ابن المنذر من إجماع على أن زكاة المال لا تعطى لغير المسلم [2] فإنه لا يفيد جواز إقراض من ليس من أهل الزكاة من الزكاة؛ وذلك لأن دخول مساكين أهل الكتاب في لفظ"والمساكين"الوارد في آية"إنما الصدقات"محتمل وذلك لأنه مسكين فعلا، وقد قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) [3] أما دخول المحتاجين إلى الاقتراض في لفظ الغارمين الوارد في الآية فإنه غير محتمل ولا وجه له؛ لأن لفظ الغارم لا يطلق إلا على المدين بالفعل، فهو لا يطلق على غير المدين لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز كما سبق أن بينا.
الدليل السابع عشر: للإمام أن يبيع الزكاة أو شيئا منها لمصلحة اقتضت ذلك. جاء في المغني:"وإذا أخذ الساعي الصدقة واحتاج إلى بيعها لمصلحة من كلفة في نقلها أو مرضها أو نحوه فله ذلك" [4] فيجوز له أن يقرضها أو شيئا منها قياسا على جواز بيعه لها بجمع أن الإقراض كالبيع عقد تمليك.
وهو مردود بما يلي:
1 -جواز البيع هنا مقيد بمصلحة المستحقين فإن لم يكن فيه مصلحة لهم فإنه لا يجوز. جاء في روضة الطالبين:"لا يجوز للإمام ولا للساعي أن يبيع شيئا من الزكاة بل يوصلها بحالها إلى المستحقين إلا إذا وقعت ضرورة" [5] ، وإقراض الزكاة لا مصلحة فيه للمستحقين إلا إن كان بقصد حفظها وذلك حاصل بإقراضها لمؤسسة مصرفية إسلامية حتى يتم توزيعها، وقد سبق القول بأن هذا الإقراض وهو الإيداع في حسابات جارية لا خلاف في جوازه، ومصلحة حفظ الزكاة حاصلة به فلا حاجة ولا مصلحة للمستحقين في إقراضها على غير هذا الوجه.
(1) الخراج لأبي يوسف ص 126، والمجموع ج 6 ص 228.
(2) المجموع ج 6 ص 228.
(3) الممتحنة: 8.
(4) المغني ج 2 ص 674.
(5) روضة الطالبين ج 2 ص 337، وانظر المجموع ج 6 ص 175 وما بعدها.