مال واحد فهي يتوالى جمعها ولا يتوقف ويتوالى صرفها بالتالي ولا يتوقف خاصة إذا علمنا أنها حتى عهد عثمان -رضي الله عنه- كان يأخذها الإمام أو نائبه من كل الأموال ظاهرها وباطنها.
2 -لوسلمنا جدلا دلالة هذين النصين على أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يؤخر توزيع الزكاة فإن هذه الدلالة معارضة بنصين آخرين: أولهما: ما روي عن عقبة بن الحارث أنه قال: صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- العصر فأسرع ثم دخل البيت فلم يلبث أن خرج فقلت أو قيل له، فقال:"كنت خلَّفت في البيت تبرا من الصدقة فكرهت أن أُبيِّته فقسمته" [1] ، وثانيهما: ما روي عن عمران بن حصين أنه استعمل على الصدقة فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال:"وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووضعناه حيث كنا نضعه" [2] ، فقوله:"وضعناه حيث كنا نضعه"يدل على أنهم في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكونوا يؤخرون قسمته على مستحقيه.
فهذان النصان يعارضان النصين السابقين فيما دلا عليه وهو تأخير الزكاة، وهذان النصان قد دلا بمنطوقهما على عدم جواز التأخير. أما الحديثان الواردان في الدليل فقد دلا بالإشارة على جواز التأخير، والدال بالمنطوق مقدم على الدال بإشارته [3] ، وأيضا فعمران بن حصين الراوي صاحب واقعة فهو أدرى بما يحدث وما كان يحدث فيها حيث ولى جمع الزكاة وتوزيعها في عهده -صلى الله عليه وسلم- وفيما بعده، ورواية صاحب الواقعة مقدمة على رواية غيره المعارضة لها الدالة بمنطوقها فلأن تقدم على رواية غيره الدالة بإشارتها أولى.
فإن قيل: الجمع بين المتعارضين مقدم على الترجيح بينهما.
أجيب بـ: نعم الجمع أولى، ولا طريق للجمع هنا إلا بالقول بأن الأصل أنه لا يجوز للإمام أو نائبه تأخير توزيع الزكاة على مستحقيها لكن لو اقتضت الحاجة أو المصلحة ذلك فإنه يجوز بقدر ما يقتضيه العذر أو المصلحة.
(1) صحيح البخاري.
(2) رواه أبو داود وابن ماجة.
(3) تعارض أدلة التشريع وطرق التخلص منه د/ حمدي صبح ص 128.