يفترض أن تسد حاجة المحتاجين في مجتمع بأكمله، ففورية إخراجها إنما تعني ضرورة الإسراع في إجراءات تقسيمها وما يتطلبه ذلك حتى ينتهي التقسيم في أقرب وقت ممكن.
وثانيهما: أنه لا يتصور إطلاقا أن يوجب الله تعالى على المزكي إخراج زكاته على الفور إلا لحكمة، وتلك الحكمة ما هي إلا سد حاجات المستحقين للزكاة العاجلة، والقول بجواز تأخير الإمام أو نوابه في إخراج الزكاة يتنافى مع تلك الحكمة، ويجعل الفورية الواجبة على المزكي عبثا ما دام سيخرجها هو على الفور وستنام عند من أعطاها لهم ليعطوها لمستحقيها، فالقول بأن الفورية ليست على الإمام أو نوابه يتنافى مع القول بوجوبها على المزكي على الفور، وإذا كان وجوب الفورية على المزكي ثابتا عند جمهور العلماء لزم أن يكون ما يتنافى معه غير ثابت حتى لا تتضارب أحكام الشرع.
فإن قيل: إن بيت المال كان يحتفظ بالزكاة للإنفاق منها طول العام بدليل أن الرجل المستحق كان يأتي إلى عمر -رضي الله عنه- ويقول: إن محمد بن مسلمة لم يعطني حقي من الزكاة فيأمر عمر فورا أن يعطى أربعة من الإبل محملة بكذا وكذا [1] .
أجيب: بأن إعطاء هذا المستحق لا يعني أن بيت المال كان يحتفظ بالزكاة للإنفاق منها طول العام وذلك لأمرين:
أ- لايمكن لأحد أن يتصور أن محمد بن مسلمة -رضي الله عنه- وهو من هو- يمنع مستحقا حقه في الزكاة ويؤخرها عنه حتى تدفعه الحاجة إلى الشكوى.
ب- لا يوجد في هذا الأثر ما يدل على أن ما أعطى للرجل كان من الزكاة لأن بيت المال فيه الزكاة وغيرها كالجزية والصدقات.
ج- لو سلمنا أنه أعطى من الزكاة فإن هذا لا يعني أن بيت المال يحتفظ بها للإنفاق منها طول العام، وإنما مرجع ذلك هو أن الزكاة ليست نوعا واحدا ولا تؤخذ من
(1) الندوة الثالثة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 79.