حديث العرنيين السابق ذكره. وثانيهما: ما روي عن أنس بن مالك أنه قال:"غدوت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعبد الله بن أبي طلحة ليحنكه فوافيته في يده الميسم -حديدة يكوى بها- يسم إبل الصدقة" [1] جاء في نيل الأوطار [2] :"في الحديث جواز تأخير القسمة لأنها لو عجلت لاستغنى عن الوسم"وأما العقل فلأنه يجوز للإمام تأخير أخذ الزكاة من المزكين [3] ، وما دام قد جاز له ذلك وفيه تأخير لتوزيعها على مستحقيها كان تأخير التوزيع جائزا.
وإذا ثبت أن التأخير في الماضي كان جائزا فإن دواعي جوازه اليوم أكثر وذلك نظرا لما تتبعه بيوت الزكاة من إجراءات متعددة بقصد ضمان عدم وصول الزكاة إلا لمن يستحقونها بالفعل كتدوين الأسماء والبيانات والتحري وتحديد من هم أشد حاجة وقدر الحاجة وغير ذلك مما يستغرق وقتا ليس بالقليل. والتأخير يستدعي حفظ الأموال وإقراضها من وسائل حفظها كما أن فيه إعمالا لها فيما فيه منفعة بدلا من تعطيلها عن الإفادة في الوقت المؤخر توزيعها فيه للمصلحة.
وهذا الدليل مردود بما يلي:
1 -لا نسلم دلالة هذين النصين على أن للإمام أو نائبه أن يؤخر توزيع الزكاة على مستحقيها وذلك لأمرين:
أولهما: أن وسم النبي -صلى الله عليه وسلم- وكذا صحابته الكرام إبل الصدقة ليس لأنه يجوز تأخير تقسيمها وإنما هو لحفظها وعدم التباسها بإبل غيرها حتى يتم توزيعها على المستحقين؛ إذ إن التوزيع الفوري لا يتم بين عشية وضحاها بل يحتاج إلى شيء من الوقت، وهذا الوقت لا ينافي الفورية فهو لا يمنع القول بوجوبها ولا يمنع حصولها؛ لأن الفورية تكون بحسب الإمكان الفعلي فقد قال الأصوليون:"الفور هو وجوب الفعل في أول أزمنة الإمكان"، والفورية في كل شيء بحسبه كما قال تعالى: (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ) [4] ، وهو لا يوضع في القبر فور موته، وكما نقول:"تزوجت فلانة فحملت فولدت"ونقصد أنها بمجرد تمام تسعة أشهر ولدت، وأموال الزكاة إيرادات
(1) فتح الباري 4/ 109.
(2) ج 4 ص 157.
(3) الأموال لأبي عبيد 779، والمبدع في شرح المقنع ج 2 ص 400.
(4) عبس: 21.