الصفحة 24 من 73

يقول بهذا؛ لأنه فتح لباب الفضيحة على نفسه وخرق للإجماع، وإن قال: إنهم كانوا عارفين بمآخذ هذه الأدلة كما كانوا عارفين بمآخذ غيرها قيل له: فما الذي حال بينهم وبين العمل بمقتضاها على زعمك حتى خالفوها إلى غيرها؟ ما ذاك إلا لأنهم اجتمعوا فيها على الخطأ دونك أيها المتقول والبرهان الشرعي والعادي دال على عكس القضية، فكل ما جاء مخالفا لما عليه السلف الصالح فهو الضلال بعينه" [1] ."

الدليل الثالث: المحتاجون إلى الاستقراض يعدون غارمين مجازا باعتبار حاجتهم وباعتبار ما سيكون [2] .

وهو مردود بما يلي:

1 -الأصل في الألفاظ فند إطلاقها أنها مستعملة في معانيها الحقيقة ولا تحمل على المجاز إلا بدليل فالراجح المقدم عند السامع هو المعنى الحقيقي للفظ أما المعنى المجازي فهو مرجوح غير مقدم عند السامع حتى تدل قرينة على أنه مراد [3] .

جاء في مختصر الروضة [4] :"واللفظ لحقيقته حتى يقوم دليل على المجاز وإلا لاختل مقصود الوضع وهو التفاهم"، ولما كان لا يوجد دليل يدل على حمل لفظ الغارمين على ذلك المعنى المجازي المذكور في الدليل لم يجز حمله عليه.

2 -لا نسلم أن المحتاجين إلى الاستقراض معنى مجازي للفظ الغارمين بعلاقة اعتبار ما سيكون فيشملهم لفظ الغارمين المذكور في آية (إنما الصدقات) ؛ وذلك لأن علاقة اعتبار ما سيكون يشترط لتحققها أن يكون اتصاف المعنى المجازي -وهو هنا المحتاجون إلى الاستقراض-بالمعنى الحقيقي للفظ -وهو المدينون فعلا- في الزمان اللاحق مقطوعا به أو غالبا على الظن باعتبار العادة [5] .ومثال هذا التجوز بالميت عن الإنسان الحي؛ إذ إن اتصاف الحي بالميت في الزمان اللاحق مقطوع به، ومثاله أيضا: التجوز بالخمر عن العنب المعصور؛ إن اتصاف العنب المعصور بالخمرية في الزمان اللاحق غالب على الظن لأنه قد يشرب قبل تخمره، لكن لما كان هذا

(1) الموافقات ج 3 ص 73.

(2) الندوة الخامسة لقضايا الزكاة المعاصرة ص 181،182.

(3) نهاية السول للإسلوي ج 1 ص 15، والتلويح على التوضيح ج 1 ص 314، وغاية الوصول شرح لب الأصول ص 38، ودلالة الحقيقة والمجاز على الأحكام الشرعية وأثرها في الفقه الإسلامي د/ حمدي صبح ص 377.

(4) البحر المحيط ج 2 ص 191، وشرح مختصر الروضة للطوفي ج 1 ص 503.

(5) شرح المحلى على جمع الجوامع ج 1 ص 376.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت