صناعته من الصين إلى سمرقند عن طريق بعض الأسرى الصينيين، ولكن ليس في هذا دليل على نفي كتابته على ورق، لأننا لم نقل إن الأوراق التي كتب عليها القرآن هي من جنس الأوراق التي أدخل الصينيون صناعتها إلى بلاد المسلمين< (1) .
يقول الجبوري: >وقد عرف العرب منذ الجاهلية البردي باسم (القرطاس) وهي كلمة يونانية (CHARTES) ومعناها ما يكتب فيه، ويقابلها في العربية ورقة وصحيفة، وجاءت كلمة القرطاس في شعر طرفة بن العبد في معلقته يصف ناقته ويشبه خدها بالقرطاس الشامي:
وخَدٍّ كقرطاس الشآم ومشفرٍ ... كسيف اليماني حدُّه لم يجرد
ونسب القرطاس إلى الشام لأنه كان منتشرًا هناك، ويأخذه الروم من مصر< (2) .
وقد ثبت فعلا في بعض الأخبار وجود الورق واستخدامه في العهد النبوي وعهد أبي بكر وما بعده، أي قبل التاريخ المعروف من ظهور الورق الصيني. يقول ابن حجر: >كذا وقع في رواية شعيب (من الرقاع) ، وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد< (3) ، وقد جاء في الحديث بطوله في رواية بتقديم الرقاع على بقية الأدوات وبإسناد صحيح (4) ، ويقال إن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل كانت في قرطاس (5) . ويدل على أن القراطيس كانت معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تستخدم في الكتابة وكان الناس على معرفة بها، ماذكره ابن سعد من قول أم هلال: >مارأيت بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم قط إلا وقد ذكرت القراطيس المثنية بعضها على بعض< (6) .
وكذا إن أبا بكر لما أراد جمع القرآن كان بعضه مكتوبًا في قراطيس (7) وقد جُمع القرآن في عهده في القراطيس والورق كما ينقل ذلك الإمام السيوطي في الإتقان: >وفي موطأ ابن وهب عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: جمع أبو بكر القرآن في قراطيس ... وفي مغازي موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: فزع أبو بكر، وخاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم، حتى جُمِعَ على عهد أبي بكر في الورق< (1) . ويدل لهذا أن مروان قد بعث إلى عبد الله بن عمر بإرسالها إليه بعدما رجعوا من جنازة حفصة فمزقها (2) . وفي السنن الكبرى: >عن ابن عباس قال: كانت المصاحف لا تباع، كان الرجل يأتي بورقة عند النبي صلى الله عليه وسلم، فيقوم الرجل فيحتسب، فيكتب، ثم يقوم آخر، فيكتب حتى يفرغ من المصحف< (3) .
ويدل على وجود نوع من الورق قبل ظهور الورق الصيني ما ينقله المؤرخون من كثرة المصاحف بين المسلمين أثناء اندلاع القتال في صفين بين أصحاب علي ومعاوية، حيث يقال أن أصحاب معاوية رفعوا خمسمائة مصحف (4) . وقد رفعوها على رؤوس الرماح مما يدل على خفتها وأنها كانت من ورق. وكان لمعاوية رضي الله عنه دفاتر فيها سير الملوك وأخبارهم والحروب والمكايد، وكان له غلمان مرتبون قد وكلوا بحفظها وقراءتها، واعتاد أن يقعد في مجلسه بعد أن ينام ثلث الليل فيقرؤون عليه ما فيها (5) . وهناك من الأمثلة الكثير الكثير. إلا أن في هذا كفاية وبيان، وأن ما يقوله البعض من أن المسلمين لم يعرفوا الورق إلا في القرن الثاني غير صحيح (6) ، ومحمول على الورق الصيني.
فالمسلمون قد عرفوا الورق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر رضي الله عنه، وإن كان ذلك الورق يختلف عن الورق الحالي أو الورق الصيني الذي دخل إلى العالم الإسلامي في وقت متأخر.