فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 86

وفي الحديث أيضًا إشارة إلى أن بعض الصحابة كان يكتب من تلقاء نفسه عملًا فرديًا. وإضافة لما ذكر كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب للمسلمين الساكنين خارج المدينة أمور الدين كأحكام الزكاة والديَّات والكبائر والطلاق وأحكام الصلاة وغير ذلك، كما هو واضح من كتابه لعمرو بن حزم ـ ويقال إنه أطول وأجمع كتاب له ـ، الذي استعمله على نجران في اليمن (1) .

وينسب إلى المحاسبي أنه قال في كتابه"فهم السنن": >كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنه صلى الله عليه وسلم كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب، فإنما أمر الصديق بنسخها من مكان إلى آخر مجتمعًا وكان بمثابة أوراق وجدت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القرآن منتشرًا فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء. قال: فإن قيل: كيف وقعت الثقة بأصحاب الرقاع وصدور الرجال؟ قيل: لأنهم كانوا يبدون عن تأليف معجز، ونظم معروف، قد شاهدوا تلاوته من النبي صلى الله عليه وسلم عشرين سنة، فكان تزوير ما ليس منه مأمونًا، وإنما كان الخوف من ذهاب شيء من صحفه< (2) .

فكيف يشد مثل ذاك الزخم الهائل من تلك الوسائل المتباينة الأشكال والأجناس بعضها ببعض بخيط واحد؟. يقول الأشقر: >لا يمكن أن نعقل قيام أبي بكر الصديق بشد الصحاف ببعضها بخيط واحد بعد ثقبها أو بدونه، لا يمكن أن نعقل هذا إلا أن الأمر والفعل كان قد تم على القراطيس والصحف والرقوق الناعمة المسواة التي يمكن جمعها إلى بعض وشدها بخيط بعد ثقبها أو بدونه (1) . ويدل على ذلك ما يذكره ابن حجر: >وفي رواية عمار بن غزية (قطع الأديم) وفي رواية أبي داود الطيالسي عن إبراهيم بن سعد: والصحف< (2) .

إضافة إلى كل ما مضى، فإن القرآن المكي يمثل ثلثي القرآن الكريم، أو مايعادل 85 سورة، وعليه فلو فرضنا أن القرآن المكي قد كتب كله أو أغلبه على تلك الوسائل البدائية من الأحجار والخشب والعظام ـ وإن كانت رقيقة ـ فعليه يحتاج النبي صلى الله عليه وسلم في نقله للقرآن المكتوب من مكة إلى المدينة لقافلة من الجمال لحملها، ولم يقل أحد أنه قد رافق النبي صلى الله عليه وسلم قافلة من الجمال تحمل القرآن المكتوب في هجرته، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل قافلة مثل تلك قبل الهجرة ولا بعدها، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، لم يثبت في السيرة أن المشركين قد أخذوا وصادروا ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من القرآن المكي المكتوب بعد هجرته، وقد سبق أن احتمال كتابة المكي في المدينة أمر مرفوض. فلابد والحالة هذه أن الكتابة كانت تتم على قطع من القماش والجلود الرقيقة السهلة الحمل والقراطيس ـ الورق البردي ـ، والرقاع ـ وفسره ابن حجر: بأنه قد يكون من جلد أو ورق أو كاغد ـ.

وعليه فإن الباحث يرجح كون القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قد كتب على ما رق من الأدوات نظرًا لأهميته ومكانته عند المسلمين أو على الجلد الرقيق وذلك لشيوعه في الجزيرة العربية، وكذلك على الورق الرقيق من البردي المصري لا سيما وقد عرفه العرب منذ فترة مبكرة من تاريخهم نظرًا للعلاقات التجارية التي كانت تربط مكة بما حولها من البلاد، يقول زيد عمر مصطفى: >والعرب قد عرفوا البردي المصري منذ أيام الجاهلية (3) ، وليس هناك من شك أن عمرو بن العاص رآه فيما رأى من منتجات مصر، عندما كان يتاجر فيها قبل ظهور الإسلام، كذلك كانت القراطيس المصنوعة من البردي معروفة للمسلمين قبل فتحهم لمصر. فما المانع من أن يكون المسلمون قد حصلوا على الورق بطريقة أو أخرى لكتابة القرآن الكريم، الذي هو أغلى وأعظم نص عرفوه، وأُمروا بالمحافظة عليه بخاصة أنهم كانوا يهدفون من كتابته إلى جمعه بين دفتين؟! ونحن لا ننكر أن المسلمين لم يعرفوا صناعة الورق إلا في سنة 134 هـ عندما انتقلت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت