المبحث الأول: مصير القرآن المكي المكتوب
المبحث الثاني: أدوات الكتابة في العهد المكي
المبحث الأول: مصير القرآن المكي المكتوب
أما وقد ثبت أن كتابة القرآن المكي تمت في العهد المكي، فهنا يطرح سؤال نفسه وهو: ما مصير القرآن المكي بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؟ أو بعبارة أخرى كيف تم نقل القرآن المكتوب من مكة إلى المدينة رغم الظروف الأمنية الصعبة التي تمت فيها الهجرة النبوية؟
وتصعب الإجابة عن هذا السؤال إذا ما أخذنا بالفكرة الشائعة التي سيطرت على دراسات القدماء والمحدثين في علوم القرآن، ولا سيما في موضوع جمع القرآن الكريم في العهد النبوي، من أن القرآن الكريم وبدون تفرقة بين المكي منه والمدني قد كتب على وسائل بدائية جدًا من قطع الأحجار والعظام والأخشاب وجريد النخل ... الخ. وعليه سيكون للباحث مع هذه الفكرة وقفة طويلة ـ في المبحث الثاني ـ محاولة منه لبيان نسبة الحقيقة فيها، مع بيان مصير القرآن المكي المكتوب، الذي يتوقف إلى حد كبير على فهم هذه المقولة سلبا وإيجابا، والتي بسببها وقع بعض الباحثين في حيرة من أمر القرآن المكي. فعلى سبيل المثال، الدكتور عبد المنعم النمر بعد ما يؤكد أن كتابة القرآن بدأت منذ نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد أن يستشهد بقصة عبد الله بن أبي سرح في إثبات كتابة القرآن المكي في مكة يقول: >ولم أجد فيما اطلعت عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عني في هجرته بحمل القرآن المكتوب معه. إذ كان أمرًا في غاية الصعوبة لا سيما في الظروف الصعبة التي تمت فيها الهجرة، حيث كان ذلك يستدعي عددًا من الإبل لحمله، وما كان ذلك أمرًا سهلا ولا متيسرًا في هجرة كانت تعتمد اعتمادًا كليًا على السرية. وجمع الحجارة والعظام والجريد والجلود التي كتب عليها القرآن وتحميلها على الإبل، كل ذلك يستدعي جوًا من الأمان ومن الوقت حتى يتم. وما كان هذا أو ذاك أمرًا متوفرًا. ولهذا نكاد نقطع بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحمل معه شيئًا مما كتب من القرآن، وكان اعتماده الكلي على حفظه و حفظ صحابته المهاجرين معه لما نزل، وفي المدينة تولى وتولوا تحفيظه لمن أسلم فيها. بجوار ما كان ينزل فيها ... < (1) .
فهناك تناقض واضح في كلام الدكتور حيث يثبت في أول الأمر أن القرآن كان يكتب في مكة، ثم يدعي أن المكتوب لم ينقل من مكة إلى المدينة من غير أن يبين مصير المكتوب، ثم يقول كان اعتماد النبي صلى الله عليه وسلم الكلي على حفظه وحفظ من معه من المهاجرين، وفي المدينة تولوا تحفيظه لمن أسلم فيها. فإنه لم يثبت على وجه القطع في السيرة أن النبي قد قام هو ومن معه بتحفيظ ما نزل في مكة للأنصار في المدينة، وكذا لم يثبت أن القرآن المكي المكتوب قد وقع في أيدي المشركين في مكة، ولو كان صحيفة واحدة مما يدل على أنه قد أرسل إلى المدينة قبل ذلك بطريقة ما.