فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 86

هذا من جهة ومن جهة أخرى إذا ما سلِّمَ للدكتور ماذكره فهناك سؤال يطرح نفسه وهو: متى تمت كتابة القرآن المكي في المدينة؟ فهل جمع النبي صلى الله عليه وسلم الكتبة في المدينة وأمرهم بكتابة القرآن المكي؟ هذا ما لم يقل به ولم ينقله أحد من مؤرخي السيرة ولم يأت خبر واحد ولو كان ضعيفًا يدل على ذلك. فالمعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي كان القرآن كله ـ مكيه ومدنيه ـ مكتوبًا، بَيدَ أنه كان في صحف مفرقة إلى أن جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

ويتضح مصير القرآن المكي المكتوب فيما ذكره ابن قدامة المقدسي والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهما من حمل بعض الصحابة لأجزاء من القرآن المكي المكتوب إلى المدينة، قبل الهجرة النبوية.

يقول ابن قدامة المقدسي في كتابه"الاستبصار": >قال الأموي: إن رافع بن مالك (1) هو الذي حمل المصحف من مكة المدينة (2) . وهو لاشك كلام مجمل يحتمل معنى نقل القرآن مكتوبًا، ويحتمل معنى نقله محفوظًا (*) .

وينقل لنا تفضيل هذا الخبر ابن حجر العسقلاني في كتابه"الإصابة في تمييز الصحابة"بقوله: روى الزبير بن بكار في أخبار المدينة (1) عن عمر بن حنظلة أن مسجد بني زريق أول مسجد قرئ فيه القرآن، وأن رافع بن مالك لما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة أعطاه ما أنزل عليه في العشر سنين التي خلت فقدم به رافع المدينة، ثم جمع قومه فقرأ عليهم في موضعه قال: وعجب النبي صلى الله عليه وسلم من اعتدال قبلته ـ ربما الصحيح قلبه ـ (2) .

ولا يمكن حمل هذا الكلام إلا على نقل المكتوب منه لأنه معروف أن وقت بيعة العقبة كان قصيرًا جدًا، بحيث لا يتمكن فيه إنسان من حفظ كل ما نزل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في عشر سنوات مهما أوتي من قوة الذاكرة. والذي ساعد رافع بن مالك رضي الله عنه من أن يجيد ويتقن قراءة كل ما أخذه من الرسول صلى الله عليه وسلم كونه من الذين اشتهروا بمعرفة القراءة والكتابة منذ الجاهلية، وقد سبق أنه كان يعد من الكملة. وليس في كلام الحافظ هذا ما يدل على أن رافع بن مالك كان قد ذهب إلى مكة وتعلَّم فيها ما نزل من القرآن في السنوات العشر التي مضت من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذهب إليه الدكتور أكرم ضياء العمري (3) مؤولًا كلام الحافظ العسقلاني في الإصابة.

ويتبين من متابعة سيرة رافع بن مالك، أنه كان يتنقل بين مكة والمدينة قبل هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم بين الحين والآخر، بل كان يجلس مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة أحيانًا. فإضافة إلى ماسبق ذكره، يقال: إنه أول من نقل عدة سور من القرآن المكي إلى المدينة، من ذلك ما حكاه ابن إسحاق: >أن رافع بن مالك أول من قدم المدينة بسورة يوسف< (1) . وما ذكره ابن الأثير من: >أن رافع بن مالك كتب سورة طه وقدم بها المدينة قبل الهجرة< (2) . وعليه يحمل ما جاء تحت باب حمل الآيات من مكة إلى المدينة على نقل المكتوب، ففي أغلب الأحيان يكون المقصود من حمل الآيات من مكان إلى آخر، سواء من مكة إلى المدينة أو بالعكس، أو من المدينة إلى الحبشة هو نقل المكتوب منه وليس المحفوظ. مثل الآيات الست من سورة آل عمران التي حملت من المدينة إلى الحبشة، والتي بعثها الرسول صلى الله عليه وسلم لجعفر ليقرأها على أهل الكتاب (3) . وكذا سورة مريم، وما حمل من مكة إلى المدينة مثل سورة الإخلاص، ومن المدينة إلى مكة مثل صدر سورة براءة وآية الربا، وغيرها (4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت