ومثال الرسائل بين الشعراء: كما في قصة أمر لبيد بن ربيعة لابنته بأن ترد على من كتب إليه رسالةً شعرًا. حيث إنه وكما ينقل عنه ابن قتيبة قال: >فلما أتاه الشعر قال: لابنته أجيبيه فقد رأيتني وما أعيا بجواب شاعر< (4) .
وبين أفراد العائلة الواحدة: كما في قصة رسالة حنظلة إلى والده والتي ذكرت فيما مضى. وما ذكرت من قصة رسالة بجير بن كعب إلى أخيه كعب. وقد سبق ذكر قصة كتاب الوليد بن الوليد إلى أخيه خالد بن الوليد.
وكان المسلمون في مكة والمدينة يتبادلون الرسائل فيما بينهم. وسيأتي ذكر رسالة الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبعث إليهم معلمًا للقرآن الكريم. ورسالة مصعب إليه صلى الله عليه وسلم وجوابه صلى الله عليه وسلم على مصعب. وينقل الواحدي في سبب نزول الآية: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون ... } (1) . قال: قال الشعبي: نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام. فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة أنه لا يقبل منكم إقرار ولا إسلام حتى تهاجروا. فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون، فآذوهم فنزلت فيهم هذه الآية، وكتبوا إليهم أن قد نزلت فيكم آية كذا وكذا، فقالوا: نخرج فإن اتبعنا أحد قاتلناه فخرجوا ... (2) .
هناك خلاف طويل في مسألة كتابة الشعر وتدوينه في العصر الجاهلي، وفي قصة المعلقات السبع (3) . ولكن مع ذلك لا ينكر أحد أنه كان من الشعراء الجاهلين من كان يحسن الكتابة، وأنهم كانوا يكتبون أشعارهم في مناسبات عديدة.
ومن دون الدخول في خضم الآراء، التي بذكرها سوف تبتعد الدراسة عن حدودها المرسومة، فإن الباحث يرى أن الراجح في أمر المعلقات أنها كانت معلقة في الكعبة وأن خبر تعليقها قد تواتر من جيل إلى آخر. وأقدم شهادة على أمر المعلقات ما ينقل عن معاوية رضي اللّه عنه من قوله: >قصيدة عمرو بن كلثوم وقصيدة الحارث بن حلزة من مفاخر العرب كانتا معلقيتن في الكعبة دهرًا< (4) .
وبالنسبة للشعر بصورة عامة فقد جاء في طبقات الشعراء لابن سلام: >وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ـ من الشعر ـ ديوان فيه أشعار الفحول، وما مدح به هو وأهل بيته، فصار ذلك إلى بني مروان< (1) . وكان من عادة بعض القبائل تقييد أشعار شعرائها (2) . لكن لا شك أن عملية كتابة الشعر كانت في مجال ضيق، ولم يكن كغيره من المجالات، نظرًا لما كان يتميز به الشعراء الرواة من قوة الحافظة، ولكن هذا لا ينفي أن بعضًا منهم كانوا يكتبون أشعارهم، بل في المراسلات كان الشعراء يردون على بعضهم بعضًا شعراَ.
نكتفي بهذا القدر من الحديث عن حالة الكتابة عند العرب في مكة وغيرها والأغراض التي كان العرب يستخدمون الكتابة لتثبيتها، وذلك لأن قصد الباحث هنا هو فقط الإشارة إلى أن الكتابة كانت موجودة ومنتشرة في الجزيرة العربية ولا سيما في مكة، وعليه فادعاء بعضهم قديمًا وحديثًا أن الأمية كانت مطبقة على الجزيرة العربية وأنهم كانوا يعتمدون على السماع فقط ادعاء يفتقر إلى الدليل.
(1) ابن قتيبة، عبد اللّه بن مسلم: كتاب تأويل مختلف الحديث، (بيروت: دار الكتاب العربي، د. ط. ت) ص 287.