وفي رواية: أن الصحيفة كان فيها مع سورة طه سورة: {إذا الشمس كُوِّرَتْ} (2) . وهي السورة الخامسة من حيث ترتيب النزول.
ومما سبق بيانه عن حالة الكتابة ومعرفة العرب والمسلمين للكتابة ولا سيما في مكة تفنيد وجواب لما قاله كونستانس جيورجيو عند حديثه عن إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، وهل قرأ سعيد القرآن على عمر بن الخطاب يقول: >فهي رواية لا تتناسب مع الوقائع التاريخية، لأن القرآن في السنة الثامنة قبل الهجرة لم يكن بالشكل الذي نعرفه اليوم، بل إنه لم يكن كذلك طيلة حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يجمع القرآن إلا في عهد خلافة عثمان. كان القرآن متداولًا ومعروفًا بشكل آيات متفرقة ـ في العهد المكي ـ، وأكثر المسلمين يحفظونه، ولم يكتب منه إلا بعض الآيات، لأن أكثر المسلمين أميون، ولا يعرفون القراءة ولا الكتابة. لم يكن القرآن في ذلك الزمان بالشكل الذي نراه الآن، لأن آياته لم تكن قد جمعت ولا اكتملت، لأن بعضها نزلت بالمدينة بعد الهجرة< (1) . إضافةً إلى ذلك فلم يقل أحد أن القرآن الكريم كان كله مكتوبًا عندما اطلع عليه عمر بن الخطاب في بيت أخته، وإنما كل ما في الأمر أنه اطلع على صحيفة من الصحف التي كانت متداولةً بين المسلمين آنذاك.
وبعد هذا لا يلتفت إلى ما قاله MONTOGOMERY WATT من قوله: >من المعروف أن أجزاءً من القرآن قد كتبت، ففي قصة إسلام عمر بن الخطاب، يقال: أنه وجد مع أخته وزوجها اللذين أسلما سورة طه مكتوبة في صحيفة، فقرأها عمر بنفسه بعد أن طلب منهم أن ينظر فيها. فإذا ما وثقت هذه القصة ـ وهو أمر غير مؤكد ـ فإنها تبين أن أجزاء من الوحي قد كتبت في منتصف الفترة المكية< (2) .
الشاعر المعروف المخضرم، كان من الذين اشتهروا في الجاهلية بمعرفة الكتابة والقراءة ـ وقد تمَّ التطرق إلى معرفته وابنته للكتابة والقراءة ـ. وقصة إسلامه شبيهة بقصة إسلام عمر بن الخطاب في تأثره بأسلوب القرآن الكريم. حيث يقال إن سبب إسلامه أنه: >كانت هناك قصيدة شعرية له، واعتبرت هذه من أعظم ما قيل من الروائع في بلاد العرب على عهد محمد صلى الله عليه وسلم، لم يجرؤ أحد من الشعراء الآخرين على تقديم أي شيء منافس لها، إلى أن علقت بعض آيات القرآن من سورة قرآنية بجانبها، ولم يكد لبيد ـ وهو الوثني ـ يقرأ أولى تلك الآيات حتى بهره الإعجاب بما قرأ، وأعلن اعتناقه الإسلام في الحال، وقال: إن كلامًا كهذا ليس من قول البشر، وإنه ولا شك وحي إلاهي< (3) .
سيأتي في الفصل الخامس أن بعض الصحابة ولا سيما من الأنصار قاموا بنقل القرآن المكي من مكة إلى المدينة قبل الهجرة، من ذلك ما جاء من أن رافع بن مالك هو الذي حمل القرآن المكي المكتوب إلى المدينة المنورة.
نجد النبي صلى الله عليه وسلم في أحلك الظروف وأخطر اللحظات من حياته التي تمثل نقطة الانعطاف في مسيرة الدعوة الإسلامية، ألا وهي لحظة الخروج من بيته مهاجرًا إلي المدينة. وقد أحاط المشركون ببيته لينالوا منه، واستمرت