فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 86

يدَّعي أحد أن الظروف الصعبة والملاحقة المستمرة وقفتا مانعتين من كتابة القرآن في مكة لذا كان الاعتماد على الحفظ فقط؟!

قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد اللّه بن عباس عن عثمان بن عفان قال: >كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ... < الحديث (1) .

يمكن الاستدلال بالحديث على أن القرآن المنزل كان كله مكتوبًا ـ مكيه ومدينه ـ وإلا فكيف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ضعوا هذا في الموضع الفلاني، ولا يعقل أن يدعي أحد أن هذا كان المقصود به القرآن المدني دون المكي. ويتضح هذا أكثر إذا ما علمنا أن هناك سورًا عديدةً نزلت في مكة، وبعد عشر سنوات أو أكثر نزلت آيات منها في المدينة كسورة الأعراف وسورة الأنعام (2) وغيرها كثير. ففي المدينة عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمرهم بقوله: >ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ... < معناه: أن السور المكية كلها وليس بعضها كانت مكتوبة ومعلومة أماكنها للكتبة من الصحابة وغيرهم.

فإن قيل إن القرآن المكي قد تمت كتابته في المدينة بعدما استقر المقام برسول اللّه صلى الله عليه وسلم هناك، وبعدما كثرت الكتابة وكثر عدد الكتاب من المسلمين واستقر شأنهم. فالجواب أن هذا لم يثبت ولم ينقله أحد ولو بطريق ضعيف، بل لم يقل به أحد. مع العلم أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة قد نقلها الصحابة كاملةً واضحةً تمام الوضوح حتى أبسط دقائق وجزئيات حياته صلى الله عليه وسلم، فقد كان الصحابة حريصين كل الحرص على نقل كل شيء من سيرته صلى الله عليه وسلم. إذن فكيف يعقل أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بكتابة ذلك الزخم الكبير من الآيات والسور التي تعادل ثلثي القرآن ولا ينقلها أحد من الصحابة! فلو حدث ذلك لكان من الأمور التي يذكرها مؤرخو السيرة النبوية ضمن أعماله صلى الله عليه وسلم التي قام بها في المدينة، ولكن لم يحدث ذلك مما يدل على أن القرآن المكي كان كله مكتوبًا، فيأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الآيات المدنية في السور المكية التي كتبت في مكة.

ومما يدل دلالةً واضحةً على أن القرآن المكي كله كان قد كتب في مكة، أنه لم يذكر أحد لا من المتقدمين ولا من المتأخرين أن الجمع في عهد أبي بكر رضي اللّه عنه إنما كان نسخًا ونقلًا لما في صدور وصحف الصحابة التي كتبت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بالنسبة للقرآن المدني، أما المكي فقد تم الاعتماد في نسخه ونقله على ما في صدور الحفاظ فقط، لأنه لم يكن مكتوبًا. بل المعروف والثابت أن النسخ والنقل كان لما في الصدور والسطور بالنسبة لكل القرآن الكريم مكيه ومدنيه وبدون استثناء، ففي البخاري عن زيد بن ثابت: >لما نسخنا الصحف في المصاحف ... < (1) . ومعلوم أن زيد بن ثابت ومن معه لم يكونوا يقبلون من أحد شيئًا إلا إذا شهد اثنان من المسلمين على أن المكتوب الذي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت