فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 86

ولم يكن رافع هو الوحيد الذي كان يتنقل بين مكة والمدينة، بل إن المراسلات بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المسلمين في المدينة كانت مستمرة، ولم يكونوا يعتمدون في نقل الأخبار فيما بينهم على السماع والمشافهة ـ كما هو مشهور بين الناس من أنهم كانوا يعتمدون في أغلب الأمور على السماع والمشافهة ـ فمع تلك الظروف المعقدة كانت المراسلات بينهم تعتمد على الكتابة، فمثلا تذكر كتب السيرة أن الأنصار لما أرادوا معلمًا يفقهم في أمور الدين أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ولكنهم لم يكتفوا بذلك وإنما أرسلوا معه كتابًا، ففي الطبقات الكبرى."لما فشا الإسلام في دور الأنصار أرسلت الأنصار رجلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتبت إليه كتابًا. أن ابعث إلينا رجلا يفقهنا في الدين ويقرئنا القرآن ... < (5) ."

وكذلك كتاب مصعب المشهور إلى النبي في الاستئذان لإقامة صلاة الجمعة: > ... فكتب ـ مصعب ـ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستأذنه أن يجمع بهم، فأذن له وكتب إليه: انظر من اليوم الذي يجهر فيه اليهود لسبتهم فإذا زالت الشمس فازدلف إلى الله بركعتين واخطب فيهم، ... < (6) وعليه فإن المراسلات بين النبي صلى الله عليه وسلم، وبين المسلمين في المدينة كانت مستمرة وذلك لما تتطلبه ظروف الدعوة الإسلامية في تلك الفترة الزمنية، حيث أصبح للمسلمين شبه قاعدة وكوَّنوا مجتمعًا صغيرًا فكانوا بحاجة إلى معرفة ما يستجد من أمور حسب الوحي النازل، فلا شك أن القيادة المتمثلة بالنبي صلى الله عليه وسلم في مكة كانت تمد قاعدتها في المدينة بكل ما كان يستجد، وقد تبين مما مضى أنهم كانوا يتوسلون بالكتابة في مراسلاتهم تلك. فكيف يتم الاهتمام بهذه المسائل وتتم فيها الكتابة مع وجود صحابي يحمل تلك الرسائل التي إذا قارناها مع القرآن الكريم فإنها لا تساوي شيئًا، وعليه فما نقل إلينا من أن فلانًا من الصحابة هو الذي حمل السورة الفلانية إلى المدينة ونحوها من الأخبار، فإنما يحمل ذلك على نقل المكتوب لا المحفوظ. وقد ضربت لذلك أمثلة كرافع بن مالك في حمله سورة يوسف، وسورة طه، بل والقرآن المكي كله، كما نقله ابن حجر وابن قدامة المقدسي. ولا شك أنه مع هذه المراسلات كان يتم نقل ما يستجد من أمور الدين من خلال القرآن النازل، وذلك بإرسال ما ينزل إليهم. ويجدر بالذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة لتعليم أمور دينهم، وعملية التعليم تتطلب الأدوات والوسائل مثل الصحف ونحوه فلابد أنه كان قد أخذ معه شيئًا من القرآن المكي المكتوب حتى يتمكن من القيام بمهمته كمقرئ أو معلم. لأنه معلوم في كل زمان ومكان أن التعليم يحتاج إلى أدوات من صحف وأوراق وأقلام وغير ذلك. وعليه يرى الباحث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسل جزءًا كبيرًا من القرآن الكريم مع مصعب بن عمير وغيره من الذين بعثوا لتعليم الناس القرآن وأمور الدين.

ولا يستبعد والحالة هذه أن النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته قد حمل ما بقي من المكتوب حيث كان معه ثلاثة من الجمال، والذي يقوي هذا ما سبق ذكره من قصة كتاب الأمان لسراقة، حيث ثبت وبالخبر الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حمل معه كل أدوات الكتابة اللازمة لكتابة ما يحتمل نزوله من القرآن في أثناء الهجرة، فالذي يحمل معه أدوات الكتابة في تلك اللحظة الحرجة الحساسة، لا يعقل بعد ذلك أن يترك أو يهمل حمل المكتوب، أو يهمل الكتابة في مكة.

المبحث الثاني: أدوات الكتابة في العهد المكي

المشهور عند الناس أن القرآن إنما كتب على وسائل تعتبر بدائية إلى أقصى الحدود، وتكاد تتفق على ذلك كلمة المؤرخين والباحثين، وبمجرد فتح أي كتاب نجد الباحث يبدأ حديثه بما اشتهر وتناقله المؤرخون من أن القرآن كان قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت