فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ... < (1) .
فلم يقل أحد أنها كانت على قطعة عظم أو حجر أو جريد من نخل، بل بالعكس كانت من الدقة والإتقان بحيث أخفتها المرأة بين شعرها بعد أن فتلت عليها قرونها. فلو أن صحابيًا مثل حاطب ابن أبي بلتعة، وقد عرف عنه أنه لم يكن من الطبقة الغنية يمتلك مثل هذه الوسائل الدقيقة والجيدة، بحيث يكتب على شيء رقيق جدًا سواء كان من جلد أو رق، بحيث تستطيع المرأة إخفاءه بين شعرها، فهل يعقل أن النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أموال كثيرة، وحوله صحابة أغنياء عرفوا بالإنفاق على أمور الدعوة، ولا سيما في المدينة يستخدم لكتابة النص القرآني مثل تلك الوسائل البدائية؟!.
ومنها الرسالة المشهورة في السيرة التي سلمها الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن جحش عندما أرسله في مهمة خاصة. وملخص القصة: >أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي وثمانية من المهاجرين، وكتب له كتابًا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه، ولا يكره أحدًا من أصحابه، ففعل، ولما فتح الكتاب وجد فيه ... < (2) . وكانت الصحيفة من أديم خولاني نسبة إلى خولان من مخاليف اليمن أو إلى خولان بدمشق، وقد كتبه أبي بن كعب (3) .
ثم إنه كانت من عادة العرب كتابة الأمور والأحداث المهمة على قطع من الجلود الفاخرة والرقاع ونوع خاص من القماش، فقد كتبت صحيفة قريش وعلقت في الكعبة وغيرها، وقد قال زهير بن أبي أمية المخزومي بعد أن طاف بالبيت وأقبل على الناس. >والله لا أقعد حتى تُشَقَّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة ... فقام المطعم بن عدي بن نوفل إلى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلا ما كان باسمك اللهم، كانت تفتتح بها كتبها< (1) . فهل قال أحد إنها كانت مكتوبة على قطعة حجر أو عظم، لماذا مثل هذه الأمور تكتب على الجلد أو ما رق من الأدوات بحيث يمكن شقها وتمزيقها بسهولة، وبحيث تأكلها الأرضة، >والأرضة لا تحب أكل الأحجار والعظام كما يؤكده علماء الحيوان، وإن كانت تستطيب صحف النبات والنسيج وغيرها< (2) ، وتحصر النص القرآني على مثل هذه الوسائل.
ويضاف إلى كل ما ذكر من أن القرآن الكريم كان يكتب على أدوات رقيقة من جلود وورق البردي وغير ذلك، ما تذكره كتب الحديث النبوي من وجود عدة صحف للحديث النبوي الشريف كُتِبْنَ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم مثل الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص، و قد نقل الإمام أحمد محتواها في مسنده (3) ، و صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري، وغيرهما مما ذكر في كتب الحديث (4) . فكيف تتم كتابة الحديث النبوي على صحف ويكتب القرآن على أدوات أقل قيمة وأكثر خشونة من تلك!:
وفي حديث: >لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، فمن كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحه< وإسناده صحيح (5) . دلالة على أن عمليات الكتابة كانت جارية في مجلسه صلى الله عليه وسلم علي شكل واسع مما حدا به صلى الله عليه وسلم ... إلى نهيهم عن كتابة شيء غير القرآن. وهذا يخالف ما يتشبث به بعضهم من أن عدد الذين كانوا يعرفون الكتابة من الصحابة كانوا قلة قليلة، وأن حالة الكتابة كان ضعيفًا، وأن الأدوات لم تكن لتتوفر إلا بشق الأنفس، لذا كتب على ما ذكر من الأدوات البدائية. فيدل الحديث أنهم كانوا يكتبون بشكل ملفت للنظر، الأمر الذي انتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن كتابة غير القرآن، وذلك محمول في الظاهر على الجمع بين القرآن وغيره في صحيفة واحدة.