فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 86

والمتخلفة لذلك كتب الحديث عليها بناءً على هذه الحادثة التي لا تمثل إلا حالة فردية؟!. فالأولى حمل مثل هذه الأخبار على حالات فردية وعلى الضرورة.

فمن الأدلة التي تثبت أن الصحابة كانوا يمتلكون أدوات ووسائل أحسن مما اشتهر، وأنهم لم يكونوا يكتفون في كتابة القرآن على تلك الوسائل التي حملها الباحث على حالات الضرورة، أو الحالات الشخصية أو المبالغة في الدقة والتثبت، ما جاء من استخدامهم لأدوات أكثر تطورًا ومتميزة بالرقة وقابلية الطي والنشر ونحو ذلك منها:

إن وجود القراطيس والصحف ليس أمرًا مستبعدًا في العهد المكي، بعد أن جاء ذكرها مرارًا في القرآن الكريم في مخاطبته لمشركي قريش، فهناك آيات كثيرة من القرآن المكي تشير إلى وسائل وأدوات الكتابة المتطورة من القلم والقراطيس والسجل والصحف والرق والكتاب ... الخ ومعلوم أن القرآن الكريم عندما كان يخاطب هؤلاء يخاطبهم بأسلوب يفهمونه ويضرب لهم أمثلة من واقعهم ويحدثهم عن أشياء كانوا على علم ومعرفة بها. فمن تلك الآيات قوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي ٍِقِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَال الَّذِين كَفَرُوا إِنْ هَذاَ إلاَّ سِحْرٌٌ مُبِينٌ} (1) ، وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى للِنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدوُنَهاَ وَتُخْفُونَ كَثيرًا} (2) . وقوله: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ} (3) ، وقوله: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} (4) . وقوله: {وَالطُّورِ وَ كِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقِّ مَنْشُور} (5) .

يقول دروزة: >ولعل في آية القيامة (6) قرينة على أن الصحف كانت تنشر وتطوى، وهو لا يمكن أن يتصف به إلا وسائل الكتابة اللينة كالقماش وورق الحرير والرقوق الناعمة المسواة ... الخ. ولعل في آية سورة الأنبياء هذه {يَوْمَ نَطْوِي السَّماَءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ (1) لِلْكُتُبِ} (2) قرينة أو بالأحرى دليلًا على أن طي الورق أو ما كان يقوم مقامه من وسائل الكتابة اللينة ليكون سجلًا للكتابة والتدوين كان مألوفًا شائعًا. وهذا لا يكون إلا حيث تكون الكتب والقراطيس والوسائل اللينة الأخرى< (3) . وكان المجاورون للعرب على معرفة وعلم بأدوات الكتابة الجيدة، مثل الروم وفارس ومصر وغيرهم ولا شك أن التجارة بين العرب وهؤلاء كانت جارية على قدم وساق.

ومنها: الرسائل التي كان يرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وغيرهم كانت تكتب على الجلود أو ما رق من الوسائل. كما في قصة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى والتي ذكرها الإمام البخاري فقال: >أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزَّقَه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يُمَزَّقُوا كل ممزق< (4) . فلم تكن تكتب على الأحجار، وإنما كانت على أدوات قابلة للتمزيق وسهلة للحمل والنقل. وكذا كتابه إلى بني حارثة بن عمرو بن قريظ، حيث رقع به دلوه (5) .

ومن الأدلة التي تثبت وبوضوح أن هذه المقولة لم يقصد بها الحصر، وأن الوسائل المذكورة لا تمثل إلا جزءًا يسيرًا من أدوات الكتابة، رسالة الصحابي حاطب بن أبي بلتعة إلى مشركي قريش في مسألة مسير النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة (6) . ففي صحيح البخاري: >أن عليًا قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، قال: فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب. فقلنا: لَتُخْرِجِنَّ الكتاب أو لَنلقينَّ الثياب. قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت