ذاكر قول جعفر (وعندنا والله مصحف فاطمة) عبسوا وجوههم وهم له كارهون. وكم من مسلم اتهموه بالضلالة والكفر، لأنه استدل بكلام جعفر، وأنت تعلم أنه كان من جملة اليهود، ومعتنقي بالإسلام دين الله الودود، أناس استسلموا لخرب الإسلام، ويدخلون فيه بكل ما يملكون من تحريف القرآن، وتضعيف البرهان، ويتسابقون إلى الإسلام بعقائدهم صحيحة كانت أم سقيمة، وتكذيب أقوال الصحابة وإن كانت سليمة، فلا يورد وارد في فضل من فضائل الصحابة، إلا بادروا إلى تكذيبه وقالوا إنها رواية ليست على الإصابة، وإن أيده نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة حرصا على تمزيق كلمة المسلمين، ورغبة في قطع حبل الموحدين، ورفعوا شعار ظلم على آل بيت النبي، وغصب الخلافة من علي، وأنت تعلم أنه قد كانت حاجة المسلمين آن ذاك إلى آل البيت عظيمة، فإذا سمعوا من هؤلاء ما يروون عن الأئمة، اتخذوا أقوالهم كالدليل والبرهان، وأذاعوه في كل زمان، وأشاعوه في كل عصر، وجعلوه مرجعا من مراجعهم في كل مصر، لذلك كانوا يخربون الإسلام باسمهم، ويحاربونه على عنوان عمل بعلمهم، فكان لهم بسبب ذلك مذهب، ويتعصبون على كل الأحاديث الصحيحة إذا تضمنت فضيلة لأبي بكر وعمر أو لغيرهما من الصحابة، فيرفضونها بشدة بالكلام وبالكتابة، ويردونها بكل عنف، وينسبون رواتها إلى الضعف، وكان قوم من كتبة الآثار، في تلك الأمصار، دفعهم الإيمان بعصمة الأئمة إلى كتابة كل ما روي عنهم ووصل إليهم عن طريقهم صحيحة كانت أم قبيحة، ويتبادلون إلى كتابتها سليمة كانت أم سقيمة، وإذا سألهم أحد عن الدليل في أنبائه، يقول إنه روي عن جعفر عن أبيه عن آبائه، وكانت روايات صدرت عنهم تحثنا على عدم الإيمان بسلامة القرآن، من الزيادة والنقصان، وحملوا الناس عليه بالأموال والنقود، وتارة بالقوة والجنود، ورسموا صور الصحابة (جامعوا القرآن) للناس في كتبهم وفي جرائدهم ما يتحير منه الرؤوس، وتشمئز من أجله النفوس، وكلموهم عنهم بما تستك من سمائه الآذان، وتنفجر منه القلوب والوجدان، ولولا أن الصحابة قاموا بجمع القرآن، وكتبوه على الألواح وفي الأذهان، لما وصل إلينا القرآن العظيم، وأحلف في ذلك بالله الكريم، وإني والله لفي بئر العجب، كيف خرق قدرة الله الحجب، و كيف وصل إلينا القرآن، بدون زيادة أو نقصان، من تلك الظلمات المتراكمة، وتعاليم الأئمة المتلاطمة، فطلع علينا كالبدر، في وسط الشهر، وأما لينطبق علينا قوله تعالى (قل ما أسألكم من أجر إلا المودة في القربى) فيكون بغير هذه الفلسفة فلا تكن من المتلخبطين.
والسلام عليكم ورحمة الله