وكنت لي كالناصر الحارد، وأشربتني بعد ظمأ بماء بارد، وأرى قبل الخوض في الموضوع، أن أذكرك بتذكرة خاصة ميزة، من باب العمل بالحديث، من لم يشكر الناس لا يشكر الله، ولست أبالغ في المدح، أو أحاول كسر القدح، قدح الرحم والقرابة.
والآن أقبلتَ علي إقبال سفاك، كأنك تريد بي الموت والهلاك، واعلم أني واحد من أبنائك، ويبدو أنك لم تعرف طبيعتي بحكم ما وصل إليّ من أنبائك، إني لا أبالي بالرفعة، في هذه البقعة، وإني لراضِ عن أعيش في فقر ومتربة، من أن أغمض عيني عن الحق طلبا لرضا رجل ذي مقربة، واشتاق إلى الحقيقة والضياء، اشتياق المريض إلى الشفاء، وأتوكل على الرحمان، خالق المخلوقين ونوع الإنسان، ولستُ من الذين يخافون حصائد الألسنة، أو يرهبوني باللعنة.
اعلم يا أبي ... أني قد نجوت من ظلمة الجهل والأمية، وتعلمت سيرة الخلفاء وبني أمية، تحت نضارتك الأبوية، وأدخلتني في حوزة يدرس فيها السنة النبوية، اللهم أنت ربي، أسألك أن تطول عمر أبي، وبارك في وجوده لي، وكن حافظا له من مكائد الشيعة ومما يمكرون يا أبي ... إني رأيت منك الإحسان، لا أظن أن ابنا وجد مثله من أبيه في هذا الزمان، وإني قبل التمسك بهذا المذهب، كانت تخيلاتي تدور بي دوران لاعب في الملعب، والحيرة تأتيني من كل طرف، ويزداد علي الخوف، وكنتُ في الإسلام كواحد في الوحشة، وفي المذهب من الذين في الدهشة، وكنت أتضرر من لظى الغربة، ويرتجف قلبي من أجل الضربة، فنجاني الله من هذه البلية، حتى عاهدت الله بالألية، أن أدخل في بئر البحث لعلي أطلع على السبب، فقادني الله إلى مذهب ذي دليل بدري، وبرهان دري، فأخذ مكان الحيرة الاطمئنان، وحل محل الخوف الأمان، فظهر أمامي الفوز والنجاح، ظهور الشمس في الصباح، وتقويت بقوة صدرت من الله الذي أوحى إلى نوح، تقوية الجسم بالروح، ففرحت كواحد أدى فريضة الحج والعمرة، بعدما أضرم في جسمي وروحي الجمرة، وكنت من أجلك أفاني السنين، فيما يزيد العلم اليقين، وأُنهٍي الأيام، في طريق طلب ما يدعو إلى السلام، فكيف يحل عليّ غضبك يا الأب، وأصبح مطرودا من الأبواب كالدب، فصرتُ من أصحاب الذلة والمهانين.
ولما فتح الله عيني، وأخرج أكنة كانت في أذني، اتصلت بعلماء السُنة، وطالعت كتبهم في تلك السَنة، ولم أقتصر على الاتصال والمطالعة، بل قارنت حتى دخلت مع علمائي في المصارعة، وحسبوني من رجال الفتنة، وأني من الذين صب عليهم ماء اللعنة، واعلم أني من أجل الكراهية